اليقين السابق على حاله ولا يسري إليه الشكّ ، ومن ثمّ يمكن اجتماعهما في وقت واحد عند المكلّف ، وعلى هذا الأساس جاء طرح التساؤل السابق وأنّ النقض كيف أُسند إلى الشكّ ، مع أنّ اليقين السابق باقٍ على حاله ؟ وهنا نقول : إنّ هناك نكتة دعت الرواية إلى التعبير ب « لا تنقض اليقين بالشكّ » ، وهي : أنّ العرف ينظر إلى الشيء المتيقّن والمشكوك على أنّه شيء واحد وذلك من خلال إلغاء خصوصيّة الزمان المقطّعة له إلى حدوث وبقاء ، فإنّه بهذه النظرة العرفية يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين فيصحّ إسناد النقض إلى الشكّ ، وواضح أنّه إسناد تسامحيّ لا حقيقيّ ، وإلّا فبحسب الدقّة العقلية لا يكون ناقضاً كما أشرنا له . بيان ذلك : أنّنا إذا رجعنا إلى العقل نجد أنّ زمان حدوث الشيء وزمان بقائه مقطعان زمنيان مختلفان ، فالزمان - كما قرأنا في الفلسفة ( 1 ) - وإن كان حقيقة واحدة تتّصل أجزاؤها بعضها ببعض بنحو لا يتخلّلها فواصل ، فهو تدريجيّ ولا ينقضي منه آن إلّا بمجيء آن آخر ، إلّا أنّ العقل يقوم بتقسيمه إلى مقاطع كالليل والنهار ، والحدوث والبقاء ، واليوم الأوّل والثاني ، لأغراض تنفع الإنسان وتساهم في تكامله ، كما يقسّم الرياضي الخط المستقيم إلى النقطة « أ » و « ب » لأغراض علميّة . ولكن هذا الشيء المقسّم في نظر العقل يراه العرف شيئاً واحداً من دون أن يقطعه إلى مقطع زمانيّ سابق ومقطع زمانيّ لاحق ، وبهذه الملاحظة يكون الشكّ متعلّقاً بنفس ما تعلّق به اليقين ، إذ النظر إلى ذات الشيء المتعلّق والمشكوك مع قطع النظر عن الزمان يجعل من الطهارة - مثلاً - المتيقّنة سابقاً والمشكوكة لاحقاً أمراً واحداً ، وبهذه الملاحظة يصحّ إسناد النقض
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 131
مساهمون: علاء السالم
ص١٣١
هامش
( 1 ) انظر : نهاية الحكمة : ص 214 .