بالطهارة سابق ، والشكّ بها متأخّر ، وأحدهما متعلّق بالحدوث ، والآخر متعلّق بالبقاء ، ولا محذور في أن يكون المكلّف على يقين من حدوث طهارته في الساعة الأولى وشكّ في بقائها في الساعة الثانية ، والشاهدُ على عدم نقض الشكّ المتأخّر لليقين السابق هو إمكانُ اجتماعهما عند المكلّف . فهو في الوقت الذي يوجد عنده يقين سابق بحدوث الطهارة شاكّ في اللحظة الحاضرة في بقائها ، واجتماعهما دليل عدم تناقضهما ، فكيف عبّرت الصحيحة ب « لا تنقض اليقين بالشكّ » في حين إنّ المكلّف لو أراد البناء على الحدث وحكم بارتفاع الطهارة لما كان قد نقض يقينه السابق بالطهارة ؟
وإجابةً نقول : إنّ التحقيق أن يُقال : إنّ الشكّ إنّما يكون ناقضاً لليقين وهادماً له حقيقةً فيما لو تعلّق بنفس ما تعلّق به اليقين ، وهو لا يحصل إلّا إذا سرى الشكّ إلى نفس اليقين السابق واتّحد معه زماناً ، ففي مثل هذه الحالة يكون الشكّ ناقضاً تكويناً وحقيقةً لليقين ، ولا يمكن اجتماعهما أبداً .
وأمّا إذا كان متعلّق اليقين غير متعلّق الشكّ ومغايراً له فيمكن لليقين والشكّ أن يجتمعا ولا يكون الشكّ ناقضاً لليقين ومزلزلاً له .
في ضوء هذه المقدّمة الواضحة فرّقنا سابقاً بين قاعدة اليقين والاستصحاب وقلنا : إنّ الشكّ في قاعدة اليقين يسري إلى نفس اليقين ويتّحد معه زماناً ولذا يكون ناقضاً له ، وذلك لوحدة المتعلّق ذاتاً وزماناً ، وأمّا الشكّ في الاستصحاب فإنّه وإن كان يتعلّق بنفس متعلّق اليقين ذاتاً - إذ إنّ واحدة من أركان الاستصحاب هي وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوكة كما سيأتي - إلّا أنّ زمانهما مختلف ومتغاير ، فزمان اليقين سابق والشكّ متأخّر .
بعبارة ثانية : إنّ متعلّق اليقين هو ذات الشيء بلحاظ الحدوث ، ومتعلّق الشكّ هو ذاته بلحاظ البقاء ، وبعد اختلاف زماني اليقين والشكّ يبقى
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 130
مساهمون: علاء السالم
ص١٣٠