التمييز بين الاستصحاب والاستصحاب القهقرائي
يشترك الاستصحاب القهقرائي مع الاستصحاب المتعارف في وجود اليقين والشكّ أيضاً ، ونقطة الفرق بينهما تكمن في أنّ اليقين في الاستصحاب المتعارف متقدّم زماناً على الشكّ ، بينما يكون الأمر بالعكس في الاستصحاب القهقرائي .
ومثاله : ما لو نظر الفقيه إلى لفظ « الشبهة » وتيقّن بأنّ معناها في العصر الحالي هو الشكّ نتيجة مراجعة كلمات اللغويّين والفهم العامّ للكلمة ، ولكنّه شكّ في أنّها عندما تُطلق في روايات المعصومين ( عليهم السلام ) هل يُراد منها نفس هذا المعنى ؟ فهنا قد يقال بأنّ الفقيه بإمكانه أن يرجع باليقين الحالي لمعنى اللفظ إلى الوراء حتّى يصل إلى زمان الشكّ ويثبت أنّ معنى الكلمة في ذلك الزمان هو نفس معناها الحالي ، وهذا هو الاستصحاب القهقرائي .
وفي حقيقة الأمر أنّ هذا الاستصحاب أصل عقلائيّ يرجع إلى أصالة الثبات في اللغة وغلبة بقاء مفرداتها على معانيها . وتحقيقه أكثر يأتي في محلّه .
إنّ ما يهمّنا في هذا البحث هو الوقوف على نقطة التمييز بين الاستصحاب المتعارف والاستصحاب القهقرائي وقد ظهر أنّه يتلخّص في موقعيّة اليقين والشكّ زماناً ، فإن تقدَّمَ اليقين على الشكّ فهو مورد جريان الاستصحاب وإن تأخّر عنه زماناً فهو مورد جريان الاستصحاب القهقرائي .
ولا يفوتنا أن نشير إلى أنّ المصنّف ( قدس سره ) وإن لم يشر إلى القاعدة الثالثة المشابهة للاستصحاب ، إلّا أنّا آثرنا إدراجها إكمالاً للبحث كما هو المتعارف عند الأصوليّين ومنهم السيّد الشهيد ( قدس سره ) في بحوثه العليا .
هذا كلّه في بيان التمييز بين الاستصحاب وما شابهه من قواعد بلحاظ الأمر الأوّل ، وهو التمييز من خلال الأركان المقوّمة للقواعد .