هذا مع الالتفات إلى أنّ صحّة الاستدلال يتوقّف على كون « الردّ إلى الله » والاحتياط شيئاً واحداً .
ويرد على الاستدلال بهذه الرواية :
أوّلاً : أنّه لا دليل على أنّ « الردّ إلى الله » بمعنى الاحتياط ، فلعلّه بمعنى الرجوع إلى الكتاب والسنّة عند استنباط حكم المسألة المختلف فيها ، باعتبارهما المصدرين الأساسيّين للتشريع ، وعدم جواز التخرّص والرجم بالغيب عند تعامل المكلّف مع الوقائع المشكوك فيها ، فكأنّ الرواية تريد أن تقول . أيها المكلّف إن كان الأمر متّفقاً على رشده فامتثله ، وإن كان متّفقاً على غيّه فاجتنبه ، وإن كان مختلفاً فيه فأرجعه إلى الله ورسوله والأئمّة ليحدّدوا الموقف الشرعي منه ، ولا يجوز لك اقتحامه والتصرّف فيه وإجراء البراءة عنه قبل الرجوع إليهم .
وهذا أمرٌ متّفق عليه عند الجميع حتّى القائل بالبراءة كما تقدّم منّا أكثر من مرّة ، فيكون تفسير « الردّ إلى الله » بهذا المعنى مخرجاً للرواية عن محلّ الكلام ؛ لأنّ الإرجاع إلى الكتاب والسنّة شيء والاحتياط شيءٌ آخر ، فإنّ الإرجاع ينسجم مع الأخذ بالبراءة حيث إنّ العمل بها في موارد الشبهات إنّما يكون بعد الفحص وبأمر من الشارع نفسه كما تقدّم في أدلّة البراءة .
على أنّا لو سلّمنا أنّ « الردّ إلى الله » بمعنى الاحتياط ، فإنّ أقصى ما تدلّ عليه الرواية هو وجوبه قبل الفحص والإرجاع إلى الشرع وهو ما يدّعيه القائل بالبراءة أيضاً ، ولا إشارة فيها إلى وجوبه بعد الفحص كما هو محلّ البحث .
وثانياً : لو تنزّلنا وسلّمنا أنّ معنى « الردّ إلى الله » في الرواية بمعنى الاحتياط لا الإرجاع إلى الكتاب والسنّة الذي ذكرناه في الإجابة الأولى ، إلّا
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 351
مساهمون: علاء السالم
ص٣٥١