بينما إذا نظرنا إلى الرواية نجد أنّ الشبهة فيها منجّزة قبل إيجاب الاحتياط الذي تتكفّله نفس الرواية ؛ لأنّها تفترض أنّ اقتحام الشبهة مظنّة الهلكة ومدعاة لاستحقاق العقاب ، وهذا يفترض كون الرواية تتحدّث عن شبهات قد تنجزت سابقاً بأحد أسباب التنجز كالعلم الإجمالي بوجود تكاليف في موارد الشبهات ، أو أنّها تتحدّث عن حال الشبهات قبل الفحص ونحو ذلك ، ولا علاقة لها بالشبهات البدوية بعد الفحص .
بعبارة أخرى : إنّ مورد الرواية هو الشبهات المنجزة ، وكلامنا نحن في إجراء البراءة عن الشبهات البدوية بعد الفحص ، فتكون الرواية أجنبيّة عن المقام ، ولا دلالة لها على جعل الوجوب الشرعي للاحتياط في محلّ البحث كما يدّعيه المعترض .
الرواية السادسة
رواية جميل بن صالح عن الإمام أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه الطاهرين ( عليهم السلام ) ، قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : الأمور ثلاثة : أمرٌ بيّن لك رشده فاتّبعه ، وأمرٌ بيّن لك غيّه فاجتنبه ، وأمرٌ اختلف فيه فردّه إلى الله » ( 1 ) . تقريب الاستدلال بها : أنّها قسّمت الأمور التي يواجهها المكلّف إلى ثلاثة : إمّا أمر بيّن رشده فيتّبعه ، أو بيّن غيّه فيجتنبه ، أو مختلف فيه فينبغي ردّه إلى الله تعالى ، ومحلّ الاستشهاد هو قوله : « وأمرٌ اختلف فيه فردّه إلى الله » بدعوى أنّ الشبهات الحكميّة هي من قبيل هذا القسم الذي لابدّ من الوقوف فيه وعدم الترسّل والتسرّع في التصرّف والاقتحام ، وهو معنى الاحتياط .
هامش
( 1 ) الفقيه : ج 4 ، ص 285 ، ح 854 ؛ وسائل الشيعة : ج 27 ، ص 163 ، أبواب صفات القاضي ، ب 12 ، ح 28 .