ثم قالَ : « لا يسعُكم فيما ينزلُ بكم ممّا لا تعلمون إلاّ الكفُّ عنه والتثبُّتُ ، والردُّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد ، ويجلوا عنكُم فيه العمى ، ويعرِّفوكم فيه الحقَّ ؛ قال اللهُ تعالى : * ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) * .
ونلاحظُ : أنّ هذهِ الروايةَ تأمرُ بالكفِّ والتريُّثِ من أجلِ مراجعةِ الإمامِ وأخذِ الحكمِ منه ، لا بالكفِّ والاجتنابِ بعدَ المراجعةِ وعدمِ التمكُّنِ مِن تعيينِ الحكمِ ، وما نريدُه هو إجراءُ البراءَةِ بعد المراجعةِ والفحصِ ؛ لما سيأتي مِن أنّ البراءةَ مشروطةٌ بالفحصِ وبذلِ الجهدِ في التوصّلِ إلى الحكمِ الواقعيّ .
ومنها : روايةُ أبي سعيدٍ الزهريِّ عن أبي جعفرَ عليهِ السلامُ قال : « الوقوفُ عند الشبهةِ خيرٌ من الاقتحامِ في الهلكة » .
وتقريبُ الاستدلالِ : أنّها تدلُ على وجودِ هلكةٍ في اقتحامِ الشبهةِ ، وهذا يعني تنجُّزَ التكليفِ الواقعيِّ المشكوكِ وعدمَ كونهِ مؤمَّناً عنه ، وهو معنى وجوبِ الاحتياط .
ويرِدُ على ذلك : أنّ هذا يتوقّفُ على حملِ الشبهةِ على الاشتباهِ بمعنى الشكِّ ، مع أنّ الأصلَ في مدلولِ الشبهةِ لغةً المثلُ والمحاكي ، وإنّما يُطلقُ على الشكِّ عنوانُ الشبهةِ لأنّ المماثلةَ والمشابهةَ تؤدّي إلى التحيُّر والشكِّ ، وعليهِ فلا موجبَ لحملِ الشبهةِ على الشكِّ ، بل بالإمكانِ حملُها على ما يُشبهُ الحقَّ شبهاً صوريّاً ، وهو باطلٌ في حقيقتِه
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 338
مساهمون: علاء السالم
ص٣٣٨