ولا معيّن يدلّ على إرادة المعنى الثاني في قِبال الأوّل ، فيبقى الحديث مجملاً ولا يكون الاستدلال به تامّاً .
وقد يُجاب على هذا الاعتراض بما حاصله : أنّ بالإمكان إبراز قرينة من داخل الرواية تعيّن إرادة الوصول لا الصدور ، وهي : أنّ الورود يستبطن دائماً حيثيّة الوفود على شيء ، ولهذا فهو يحتاج لأجل تعديته إلى حرف الجر فيقال : « وردت على . . » ، فمفهوم الورود - إذاً - يستنبطن وجود مورود عليه وهو المكلّف ، ومورود عنه وهو النهي ، ويكون معنى ورود النهي هو وصوله إلى المكلّف ، بخلاف الصدور فإنّه لا يستبطن حيثيّة الوفود على شيء ووجود المورود عليه . ومن ثمّ لا يطلق الورود على حالة الصدور من دون وصول إلى المورود عليه . وبهذا يكون الاستدلال تامّاً .
إلّا أنّ المصنّف ( قدس سره ) يناقش في هذا الجواب ويقول : إنّنا نسلّم بأنّ الورود يستبطن وجود المورود عليه وحيثيّة الوفود على شيء ، لكن تعيين المورود عليه بالمكلّف - كما يدّعيه المجيب - لا دليل عليه ، فإنّ في المورود عليه احتمالين :
الأوّل : المكلّف ، كما ذُكر في الجواب .
الثاني : الشيء ، حيث عبّرت الرواية « حتّى يرد فيه نهي » ، فإنّ من الواضح رجوع الضمير إلى الشيء ، ويمكن صدقه على المادّة والمتعلّق ، فيكون النهي ( المورود عنه ) وارداً على المادّة ( المورود عليه ) ، ويكون معنى الحديث : كلّ شيء مطلق حتّى يصدر فيه نهي ويرد على المادّة .
فكما أنّ « الورود » في الحديث ينسجم مع الوصول إلى المكلّف ينسجم أيضاً مع صدور النهي ووروده على المادّة سواء وصل إلى المكلّف أم لا ، وبالتالي لا يكون الاستدلال بالحديث تامّاً ؛ لرجوع الإجمال من جديد .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 293
مساهمون: علاء السالم
ص٢٩٣