فمثل : تشريع الله تعالى لحرمة قتال المشركين ثمّ إذنه لهم ، وإن كان في ظاهره عدول عن جعل الحكم السابق ، إلّا أنّ العدول في حقيقة الأمر عدول بالنسبة لنا وإلّا فهو حاصل تبعاً للعلم السابق لدى المشرّع بأنّ الملاك - وبتبعه الإرادة - محدّد بوقت ، وقد ارتفع لانتهاء أمده ، وواضح أنّ النسخ في الاعتبار لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله تعالى ؛ لأنّ رفع الحكم نشأ تبعاً لعلمه السابق .
إن قلت : إذا كان المولى عالماً منذ البداية بأمد الملاك والإرادة ، وأنّها محدّدات بزمن معيّن فلماذا جعل المولى الاعتبار مطلقاً ؟
قلت : قد يكون ذلك لأجل إشعار المكلّف بهيبة الحكم فيزداد اهتمامه به وحرصه على امتثاله ، ومثل هذا جارٍ حتّى في التشريعات البشرية ، فإنّ المجالس التشريعيّة لو شرّعت حكماً وعلم الإنسان بأنّه محدود بأشهر قليلة ثمّ ينتهي مفعوله ، فإنّه سوف يضعف اهتمامه به ، والحال في المقام كذلك .
وأمّا تصوير النسخ بمعناه المجازي في الاعتبار ، فبأن يفترض أنّ المولى قد نظر إلى المكلّفين الموجودين في السنة الأولى من الهجرة - مثلاً - وجعل الحكم على طبيعيّ المكلّف الموجود آنذاك ، وبانتهاء السنة الأولى ينتهي أمد الحكم المجعول بلا أن يحدث أيّ تغيير وتبديل وعدول في نفس الجعل ؛ لأنّ المفروض أنّه كان مقيّداً بالسنة الأولى من الأساس وقد انتهى زمنه ، وهذا معنىً مجازيّ للنسخ لأنّه لا يتضمّن عدولاً ولا تغييراً في الحكم إطلاقاً .
ولا يخفى أنّ الافتراض الأوّل في تصوير النسخ في اعتبار الحكم الإلهي أقرب إلى معنى النسخ ؛ ذلك لأنّا عندما نطالع موارد النسخ في الشريعة نجد أنّ الحكم فيها مطلق ثمّ ينسخ ، وليس مقيّداً بوقت مخصوص كما ذكر أخيراً في تصوير النسخ بالمعنى المجازي .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 231
مساهمون: علاء السالم
ص٢٣١