الأوّل : النسخ في مبادئ الحكم الإلهي .
الثاني : النسخ في اعتبار الحكم الإلهي .
النسخ في مبادئ الحكم الإلهي
من خلال ما أوضحناه من معنى النسخ يتجلّى لنا أنّ افتراض النسخ في مبادئ الحكم الصادر من الباري جلّ شأنه أمر مستحيل وغير معقول ؛ لأنّه يستلزم نسبة الجهل إلى ساحته المقدّسة ، وقد قام الدليل العقلي على أنّه تعالى عالم بكلّ شيء ولا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات والأرض .
ومن الواضح أنّ العالم بكلّ شيء لا يعقل أن يشرّع حكماً بإيجاب شيء نتيجة إدراك مصلحة معيّنة وإرادة تابعة لها ثمّ ينكشف له خلاف ما أدركه من مصلحة ، أو يشرّع حكماً بتحريم شيء نتيجة اعتقاد وجود مفسدة تنشأ في ضوئه مبغوضيّة للفعل ثمّ ينكشف الخلاف ، فإنّ ذلك مستحيل في حقّه تعالى ولا ينسجم مع كونه عالماً بكلّ شيء ، بالإضافة إلى كون الجهل نقصاً وهو منزّه عن كلّ نقص ؛ كما ثبت بالدليل العقلي .
وهنا نودّ التنبيه إلى أنّ استحالة النسخ في مبادئ الحكم يشمل الأحكام الصادرة من الأنبياء والأئمّة ( عليهم السلام ) ؛ لأنّ علمهم مرتبط بعلم الله تعالى ، وكما يستحيل نسبة الجهل إلى الحقّ تعالى فكذلك يستحيل نسبته إلى المعصومين ( عليهم السلام ) ، غاية الأمر أنّ استحالة الجهل بالنسبة إلى الله عزّ وجلّ استحالة بالذات ، أمّا بالنسبة إلى المعصوم فاستحالة بالغير لا بالذات .
فتلخّص : أنّ النسخ بمعناه الحقيقي المساوق للتبدّل وانكشاف الخلاف في تقدير المصلحة والإرادة أو المفسدة والكراهة ، لا يمكن أن يقع في مبادئ الحكم المشرّع من قبل الله تعالى ، وكذا لا يقع في حقّ الإنسان الكامل المرتبط بالله نبيّاً كان أو إماماً ، وفيما سواهم أمرٌ ممكن بل واقع .