لأنّ المولى لم يرد - وهذا واضح لمن راجع خطابه في المثال - كلّ أشكال الإكرام لزيد ، وإنّما قال : « أكرم زيداً » ، وبمقتضى الإطلاق وقرينة الحكمة نكتشف أنّه يريد صرف وجود الإكرام ، وهو يتحقّق بإكرامه بحصّة واحدة منه ، ولو أرادها جميعاً لبيّن ذلك في كلامه . وبقرينة أنّ ما لم يقله لا يريده جدّاً ، نعرف أنّ مراده هو إيجاد طبيعة الإكرام بنحو صرف الوجود والإطلاق البدلي .
وثالثاً : إنّ المأمور به ومتعلّق الوجوب في المثال ليس هو تقديم الهدية لزيد أو القيام له تعظيماً وغيرها من حصص الإكرام وأفراده ، وإنّما هو طبيعيّ الإكرام الجامع بين جميع الحصص ، ومجرّد اختيار المكلّف لحصّة منها في مقام الامتثال لا يصيّر تلك الحصّة متعلّقاً للوجوب ، بل يبقى متعلّق الوجوب هو الجامع وتكون الحصّة المأتيّ بها مصداقاً من مصاديق المأمور به وإحدى تطبيقاته .
بعبارة ثانية : إنّ الجعل قد تعلّق بالجامع والطبيعي ويبقى على حاله رغم الإتيان بحصّة من حصص الإكرام ، وتكون تلك الحصّة فرداً محقّقاً له ، لا أنّها تصبح بالإتيان بها متعلّقاً للأمر مباشرةً .
والشاهد على ذلك : أنّ المكلّف لو أتى بغيرها من حصص الإكرام الأخرى لكان ممتثلاً أيضاً ، وهذا يكشف عن أنّ المطلوب بالذات هو الجامع وهو الذي تعلّق به الوجوب في جعل المولى ، وأمّا الحصّة فهي أحد أفراده .
وبهذا يظهر معنى مقولة : « إنّ متعلّق الأمر هو الطبائع لا الأفراد » ، ويُعنى بها أنّ متعلّق الأمر هو الطبيعي والجامع ، والإتيان بفرد في مقام الامتثال لا يجعل من الفرد متعلّقاً ، بل يبقى مصداقاً بحيث لا يسري الوجوب إليه من الجامع ، وتبقى نسبة الجامع وعلاقته بأفراده على حدٍّ سواء .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 156
مساهمون: علاء السالم
ص١٥٦