لا شكّ في أنّ المقصود بالحكم في التوقّف الأوّل هو المعلوم بالعرض ، لأنّ الوجود الخارجي للحكم - أي المجعول - هو الذي يتوقّف على وجود الموضوع ، وأمّا الوجود الذهني للحكم - أي الجعل - فقد سبق أنّه لا يتوقّف على شيء ولا يعقل أن يكون مقيّداً ومشروطاً .
وأمّا التوقّف الثاني - الذي هو محطّ نظر المستشكل - فيقصد بالحكم فيه المعلوم بالذات ، لأنّ كلّ علم يتوقّفُ على معلومه بالذات ، ولا يتوقّفُ على وجود معلومه الخارجي ، وإلّا لكان كلّ علمٍ مصيباً للواقع الخارجي ، والحال أنّ خطأ العلوم ليس بعزيز .
إذاً : عندما يقال في التوقّف الثاني : « كلّ علم يتوقّف على معلومه » إنّما يقصد بالمعلوم المعلومُ بوجوده الذهني لا الخارجي .
فظهر أنّ الحكم في التوقّف الأوّل يُقصد به المعلوم بالعرض ، وفي التوقّف الثاني المعلومُ بالذات . بعبارة أوضح : إنّ الحكم بوجوده الخارجي هو الذي يكون متوقّفاً على قيود موضوعه والتي منها العلم بالحكم ، وأمّا العلم بالحكم فهو يتوقّف على الحكم بوجوده الذهني لا الخارجي . فلا دور إذاً ؛ لاختلاف المتوقّف والمتوقّف عليه في المقام ، ويبدو أنّ منشأ المغالطة هو الخلط بين المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض .
هذا حاصل الإشكال .
وجوابه : أنّا نسلّم مع صاحب الإشكال أنّ العلم بالحكم متوقّف على الحكم بوجوده الذهني ، ولكن ليس بما هو وجود ذهنيّ مستقلّ ، وإنّما بما هو مرآة وكاشف عن الخارج وحاكٍ عنه . فإنّ العقل قاضٍ بأنّ دور العلم ووظيفته هو دور الكشف والحكاية عن الخارج ، ولا يمكن للعلم أن يوجِد الشيء الذي يكشف عنه من دون أن يكون له وجود خارجيّ يكشف عنه
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 107
مساهمون: علاء السالم
ص١٠٧