وكيف يمكن أن يكون الحكم متوقّفاً على العلم بالحكم كما في التوقّف الأوّل ، والعلم بالحكم متوقّفاً على الحكم كما في التوقّف الثاني ؟ وهل هذا إلّا دور محال . بعبارة ثانية : إنّ مقتضى التوقّف الأوّل هو تقدّم العلم بالحكم على الحكم وتأخّر الحكم عنه رتبة ، بينما مقتضى التوقّف الثاني هو عدم تقدّم العلم بالحكم على الحكم ، وعدم تأخّر الحكم عنه ، ويستحيل أن يكون الشيء متقدِّماً وغير متقدِّم ومتأخِّراً وغير متأخّر ؛ لأنّه اجتماع للنقيضين ( 1 ) . هذا ما يمكن أن يقال في تصوير الدور وتوقّف كلّ من الحكم والعلم به على الآخر ، وبذلك يظهر استحالة اختصاص الأحكام بالعالمين بها . وينبغي الإشارة هنا إلى أنّ أوّل من تنبّه إلى هذا البرهان هو العلّامة الحلّي ( رحمه الله ) في بحوثه الكلامية ردّاً على القائلين بالتصويب الذي يعتبر لازماً للقول باختصاص الأحكام بالعالم وعدم شمولها للجاهل .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 105
مساهمون: علاء السالم
ص١٠٥
قد أشكل على البرهان المتقدِّم بمنع التوقّف الثاني ، أي توقّف العلم بالحكم على الحكم ، وقبل بيان ذلك نقدِّم مقدّمة تسهم في فهم الإشكال ،
هامش
( 1 ) لا يخفى أنّ المحالات الذاتية كالدور والتسلسل واجتماع الضدّين ترجع في النهاية إلى اجتماع النقيضين ، فإنّ توقّف ( ب ) على ( أ ) يعني عليّة ( أ ) لها وتقدّمه عليها ، فإذا كانت ( ب ) علّة ل ( أ ) أيضاً - كما هو مقتضى الدور المصرّح - فإنّه يعني عدم تقدّم ( أ ) على ( ب ) ، ولا يمكن أن يكون ( أ ) متقدِّماً وغير متقدّم على ( ب ) ، وكذلك الحال في ( ب ) فإنّ مقتضى معلوليّتها ل ( أ ) تأخّرها عنه ، بينما صيرورتها علّة له يعني عدم تأخّرها عنه ، ولا يمكن أن تكون ( ب ) متأخّرة وغير متأخّرة عن ( أ ) لأنّه اجتماع للنقيضين . ومنه يُفهم أنّ التعبير ب « اجتماع النقيضين » في الشرح ليس دليلاً آخر وراء الدور ، وإنّما هو نتيجة له .