لكلمة « البحر » واضح وهو بحر الماء ، ويكون هذا الظهور أداة لتعيين الظهور التصديقي للكلمة وهو بحر الماء أيضاً ، ومن ثمّ نحكم بأنّ المولى أراد الذهاب إلى البحر .
ولكن قد تقوم في بعض الأحيان قرينة في الكلام تصرف المراد الجدّي عمّا هو ظاهر في الدلالة التصوّرية ، فإنّه في مثل هذه الحالة لا يمكن إجراء أصالة التطابق بين المدلولين التصوّري والتصديقي ، ولا يكون المدلول التصوّري عندئذ طريقاً لتعيين المدلول التصديقي ، وإنّما لابدّ من تعيينه على أساس مفاد القرينة .
وتوضيحه : أنّ القرينة المتّصلة يمكن تصوّرها على نحوين :
الأوّل : أن يكون وجودها في الكلام مؤكّداً ، كما إذا قال المولى : « إذهب إلى البحر وتزوّد من علمه » فإنّ قوله « وتزوّد من علمه » يعتبر قرينة جزمية على صرف الظهور التصديقي لكلمة « البحر » عمّا هو الظاهر منها تصوّراً ، حيث إنّ الظاهر منها في مرحلة المدلول التصوّري هو بحر الماء ، فقد تقدّم في بحث « التطابق بين الدلالات » أنّ كلّ لفظ ظاهر فيما وضع له من معنى ، وهذه الدلالة لا تتزعزع أبداً سواء قامت قرينة متّصلة على الخلاف أم لا ، إلّا أنّ قيامها يقضي بأنّ المتكلّم لم يرد المعنى الحقيقي للفظ « البحر » وإنّما أراد به العالم ، بمعنى أنّ القرينة تتصرّف في المدلول التصديقي لا التصوّري .
فاتّضح أنّ قيام القرينة المتّصلة في الكلام تصرف المراد الجدّي له عمّا هو الظاهر منه تصوّراً ، ومن ثمّ يكون المدلول التصديقي مخالفاً للمدلول التصوّري ، وبعد مخالفته له لا يمكن التمسّك بأصالة التطابق بين المدلولين ، ولا يكون الظهور التصديقي لكلمة « البحر » في بحر الماء حجّة ؛ لأنّه غير مراد جزماً كما هو مؤدّى القرينة .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 387
مساهمون: علاء السالم
ص٣٨٧