« التسامح في أدلّة السنن » بهذه الروايات تامّاً .
إلّا أنّ الإشكال الذي يثار على الاحتمال الأوّل هو : أنّ الدليل ليس فقط غير قائم عليه ، بل هناك قرينة على عدم إرادته ، ومن ثمّ فالمناقشة فيه تكون بوجهين :
الأوّل : أنّه مجرّد احتمال في مقابل احتمالات ثلاثة أخرى ، وجميعها متكافئة ، فيكون الأخذ بالأوّل منها دون غيره ترجيحٌ بلا مرجّح . ومع عدم تعيّن الأوّل بالدليل لا يكون الأخذ بالقاعدة تامّاً .
الثاني : أنّ ظاهر لسان روايات « من بلغ » ينفي أن تكون بصدد جعل الحجّية لمطلق البلوغ ؛ ذلك لأنّ ملاك جعل الحجّية للخبر هو المطابقة والكشف عن الواقع في الأعمّ الأغلب ، فلو وجدنا في مورد أنّ الشارع يقول بحجّية الخبر وإن لم يكن مطابقاً للواقع فهذا يعني أنّ الكشف والمطابقة للواقع ليس هو الملاك في جعل الحجّية للخبر ، ولا يمكن قبول كون الكشف ملاكاً لجعل الحجّية للخبر ، ومع ذلك لا يجعل كذلك في مورد آخر .
بعبارة أخرى : إنّ الاحتمال الأوّل كان يفترض جعل الحجّية لمطلق البلوغ ولو كان بخبر ضعيف ، ومعنى جعل الحجّية للخبر هو أنّ الشارع يتعبّدنا بثبوت مؤدّاه ، وكيف يمكن الجمع بين ذلك وبين ثبوت الحجّية له حتّى مع مخالفته للواقع والذي يعني القول بحجّية الخبر حتّى مع عدم ثبوت مؤدّاه ، فيصبح معنى جعل الحجّية لمطلق البلوغ هو : « التعبّد بثبوت مؤدّى الخبر وإن لم يكن ثابتاً » ، أمّا « ثبوت مؤدّى الخبر » فهو مقتضى جعل الحجّية له من قِبل الشارع ، وأمّا « وإن لم يكن ثابتاً » فهو مقتضى جعل الحجّية لمطلق البلوغ ، ولا يمكن الجمع بين ثبوت مؤدّاه وإن لم يكن ثابتاً ؛ لأنّه تهافت واضح .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 361
مساهمون: علاء السالم
ص٣٦١