لو كان منجّزاً بنفسه لا بمنجز سابق ولكن كيف نثبت أنّ تنجيزه كان من باب حجّية خبر المنذِر ، فلعلّه كان من باب حجّية الاحتمال بحكم العقل كما هو مختار السيّد الشهيد ( قدس سره ) بناءً على مسلك حقّ الطاعة ، فإنّ الاحتمال - بل حتّى الشكّ - وفق هذا المسلك منجّز ، وخبر المنذِر يمكنه أن يولّد احتمالاً لدى السامع فيتنجّز إخباره ويجب على المنذَر التحذّر لمنجزية الاحتمال لا لحجّية خبر المنذِر .
بعبارة أخرى : إنّ إخبار المنذِر في الآية أعمّ من الحجّية ولا يلازمها ، فغاية ما يفيده قول المنذِر هو عدم إمكان جريان البراءة من قبل المنذَر بعد الإنذار ، ولا يفيد كون التنجيز لأجل حجّية خبره .
نعم ، بناءً على مسلك « قبح العقاب بلا بيان » لا يرد هذا الإشكال ؛ لأنّه لا يجب على السامع التحذّر ما لم يكن قول المنذر حجّة ، ومجرّد الاحتمال الذي يولّده إخبار المنذر لا يكفي في تنجّز التكليف عليه ما لم يقطع بثبوته .
الجواب الثالث
إنّ المستفاد من الآية هو حجّية قول المجتهد لا خبر الواحد ؛ باعتبار أنّها قالت : * ( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا ) * ولم تقل : « ليحفظوا الأحاديث ويخبروا بها » ، فإنّ الآية تفرض على من يتفقّه ويتعلّم إنذار قومه ، والإنذار عبارة عن مزج المنذِر بين إخباره وتشخيصه للمعنى واقتناصه النتيجة ممّا فقهه وتعلّمه ثمّ إنذار قومه بما استنبطه بنظره ، وهذا يعني أنّ خبر المنذِر مبنيّ على النظر والحدس ، مع أنّ كلامنا في حجّية الخبر إنّما هو في حجّيته بما هو إخبار وشهادة حسّية لا بما هو رأي وحدس .
وبعد تماميّة هذا الجواب يمكننا أن نعدّه وجهاً من الوجوه الدالّة على الأخذ برأي المجتهد والمسمّى بالتقليد ، وبحثه موكول إلى محلّه .