ومنها : آيةُ النفر ، وهي قولُه تعالى : * ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) * .
وتقريبُ الاستدلال بها : أنّها تدلُّ على مطلوبيّةِ التحذُّرِ عندَ الإنذارِ بقرينةِ وقوعِ الحذرِ موقعَ الترجّي بدخول « لعلّ » عليه ، وجعلِه غايةً للإنذار الواجب ، ومقتضى الإطلاقِ كونُ التحذُّرِ واجباً عند الإنذار ، ولو لم يحصلْ العلمُ من قولِ المنذِر ، وهذا يكشفُ عن حجّيةِ إخبارِ المنذر .
والجوابُ على ذلك :
أوّلاً : أنّ وجوبَ التحذُّر عند الإنذار لا يكشفُ عن كونِ الحذرِ الواجبِ بملاكِ حجّيةِ خبر المُنذر ، وذلك لأنّ الإنذارَ يفترضُ العقابَ مسبقاً ، وكونَ الحكمِ منجّزاً بمنجّزٍ سابق ، كالعلم الإجماليِّ أو الشكِّ قبل الفحص ، ولا يصدُقُ عنوانُ الإنذار على الإخبار عن حكمٍ لا يستتبعُ عقاباً إلّا بسبب هذا الإخبار .
وثانياً : لو سلّمنا أنّ خبرَ المُنذر بنفسِه كان مُنجّزاً ، فهذا لا يساوقُ الحجّيةَ بمعناها الكاملِ ؛ لما سبقَ من أنّ أيّ دليلٍ احتماليٍّ على التكليف فهو ينجّزُه بحكم العقل ، فغايةُ ما تفيدُه الآيةُ الكريمةُ أنّها تنفي جعلَ أصالةِ البراءةِ شرعاً في مواردِ قيام الخبر على التكليف ، ولا تثبتُ جعلَ الشارعِ الحجّيةَ للخبر .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 299
مساهمون: علاء السالم
ص٢٩٩