مخالفة الواقع باعتبار أنّه ليس بعلم ، ومن الملاحظ أنّ هذا التعليل لا يختصّ بخبر الفاسق وإنّما يشمل خبر العادل أيضاً لأنّه الآخر أمارة ظنّية وليس بعلم ، وإلّا لوجب متابعته والأخذ بخبره من دون حاجة إلى دليل ؛ لأنّ حجّية العلم ذاتية .
واتّضح من خلال ما قدّمناه أنّ هذه المناقشة تقوم على أساس تفسير الجهالة في الآية بعدم العلم ، ويعدّ هذا التعليل بعد هذا بمثابة القرينة الداخلية المانعة عن الأخذ بمفهوم الآية ، فإنّ المفهوم - بناءً على تقريب صاحب الكفاية - وإن كان يدلّ على حجّية خبر العادل إلّا أنّ عموم التعليل الوارد في ذيل الآية يفترض أنّ خبر العادل هو الآخر كخبر الفاسق لاشتراكهما في العلّة المانعة .
ولأجل توضيح فكرة عموم التعليل نطرح المثال الآتي : لو قال الشارع : « إذا كان المائع خمراً فيحرم شربه » فإنّ مفهومه أنّ المائع لو لم يكن خمراً فلا يحرم شربه حتّى لو كان فقاعاً ، وأمّا لو قال : « إذا كان المائع خمراً فيحرم شربه لأنّه مسكر » فإنّ التعليل الوارد يمنع عن الأخذ بالمفهوم الدالّ على جواز شرب الفقاع لولا التعليل المذكور ، ومن ثمّ يكون شربه حراماً لأنّه مسكر أيضاً . وهذا هو معنى قول الأصوليّين بأنّ العلّة المذكورة في الدليل تعمّم الحكم لكلّ مصداق توجد فيه تلك العلّة .
ووجه ذلك بكلمة واحدة : أنّنا لو فرضنا وجود تلك العلّة في مصداق آخر غير المصداق الوارد في الدليل وقلنا بعدم ثبوت الحكم فيه ، فإنّ هذا يعني أنّها ليست بعلّة وإلّا لترتّب المعلول عليها متى ما وجدت وفي أيّ مصداق فرضت ؛ لعدم جواز الانفكاك بين العلّة والمعلول .
إن قلت : إذا كان الأمر كذلك من اشتراك خبر العادل والفاسق في التعليل ، فلِمَ قيّدت الآية وجوب التبيّن بخبر الفاسق ؟
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 293
مساهمون: علاء السالم
ص٢٩٣