فليس بإمكانه - إذاً - أن يقطع بنجاسة هذا الماء أو طهارته ، ويبقى حكمه بالنسبة إليه مشكوكاً . ولأنّ الشارع لم يترك مثل هذه الحالات سدى ، فقد حدّد الوظيفة الشرعية للمكلّف في هذه الحالة بقوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء لك طاهر حتّى تعلم أنه قذر » ( 1 ) فيحكم المكلّف بطهارة مثل هذا الماء ، بحكم ظاهريّ لا واقعيّ ؛ لأنّه طاهر على الظاهر بالنسبة للمكلّف الحائر ، بالرغم من أنّه قد يكون له في لوح الواقع حكم آخر ، وأمّا موضوع هذا الحكم فهو الماء المشكوك الحكم الواقعيّ كما هو واضح . ومثال ذلك أيضاً : أنّنا نعرف أنّ الكافر المحارب يجب قتله ، وأمّا المسلم فإنّه محترم الدم ولا يجوز قتله بغير حقّ ، ولكن لو شككنا في شخص ما بأنّه كافر محارب أو مسلم محترم الدم ، فماذا نفعل ؟ هنا نجد أنّ الشارع المقدّس قد شدّد الأمر في قضايا الدماء ولم يتساهل فيها ، فوضع لها « أصالة الاحتياط » وأمر بالاحتياط في مثل هذه الموارد ، ولم يجوّز للمكلّف الإقدام على قتل المشكوك به المردّد بين الكافر المحارب والمسلم ، وعدم الجواز هذا حكم ظاهريّ لا واقعيّ ، وموضوعه عملية القتل المشكوكة الحكم الواقعيّ . ومثال ذلك أيضاً : الشكّ في حرمة التدخين ( أي شرب التتن أو التبغ ) ، وعدم العلم بأنّه حرام أو حلال ، فإنّ الشارع المقدّس قد وضع « أصالة البراءة » أو « أصالة الحلّية » لمثل هذه الحالات بقوله ( عليه السلام ) : « كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام » ( 2 ) . وحينئذ يحكم بحلّية شرب التتن ، وهذا
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 86
مساهمون: علاء السالم
ص٨٦
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 2 ، ص 583 ، أبواب النجاسات ، ب 30 ، ح 4 .
( 2 ) 2 ) الكافي : ج 5 ، ص 313 ، ح 40 ؛ وسائل الشيعة : ج 17 ، ص 89 ، أبواب ما يكتسب به ، ب 4 ، ح 4 .