وكذا الحال فيما لو لم يكن في يد المكلّف شيءٌ ثمّ نهاه المولى عن أن يوجد في يده ذلك الشيء ، فهو الآخر تحصيل لأمر حاصل ، لأنّه غير موجود في يده أساساً .
إذاً ، بناءً على أنّ أفعال الإنسان حادثة ومسبوقة بالعدم الأزلي والترك حاصل بالنسبة لها أصلاً ، لا معنى لأن يتعلّق بها النهي الذي هو « طلب الترك » ؛ لأنّ الترك حاصل ابتداءً وطلبه تحصيل حاصل وهو محال .
وقد أجاب أصحاب نظرية « طلب الترك » على أنّ الكلام لا يدور مدار « الترك حدوثاً » حتّى يقال إنّه تحصيل حاصل ، فإنّ الترك حدوثاً وإن كان حاصلاً ومنذ الأزل إلّا أنّ الترك « بقاءً واستمراراً » داخل تحت اختيار المكلّف وبإمكانه أن يقلبه إلى « وجود » إذا أراد . فشرب الخمر متروك بالنسبة للمكلّف ابتداءً ، ولكنّه يستطيع أن يقلبه إلى وجود بأن يشرب الخمر - والعياذ بالله - وللمولى أن يقول للمكلّف : عليك إدامة الترك بقاءً لا أن توجده حدوثاً ؛ فهو حادث وموجود في السابق ، فطلب الترك ممكن ومعقول وغير مستحيل ، ولكن بقاءً لا حدوثاً .
وقد أُشكل بالمقابل على القائلين بأنّ معنى النهي هو « طلب الكفّ » ، بأنّ من ترك فعلاً ما من غير أن يكون هناك كفّ للنفس - كما في من يترك أكل النجاسات - فإنّه يعتبر غير ممتثل للتكليف وعاصياً وفق هذه النظرية التي تشترط أن يكون الكفّ عن الفعل المنهيّ عنه مسبوقاً بميل نفسيّ له ثمّ تكفّ النفس عنه لا مجرّد ترك الفعل .
والحقّ أنّ العرف لا يرى مثل هذا الإنسان عاصياً ومرتكباً للحرام ، فمن التبادر العرفي نستنتج أنّ النهي ليس هو « طلب الكفّ » ، ولكن هل يعني هذا أنّه « طلب الترك » ، أم أنّ النهي أمر آخر ؟
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 391
مساهمون: علاء السالم
ص٣٩١