الخلط بين المدلول التصوّري والمدلول التصديقي
الظاهر أنّ القول بأنّ معنى صيغة فعل الأمر وهيئته هو الطلب أو الترجّي أو التمنّي وما شابه ، هو نتيجة الخلط بين المدلول التصوّري للصيغة وبين مدلولها التصديقي ، فإنّ المدلول التصوّري للصيغة والذي نستكشفه من عملية الوضع هو الربط أو النسبة الطلبية أو الإرسالية ، وهذا المدلول التصوّري محفوظ في كلّ استعمالات هذه الصيغة سواء استعملت في حالة الطلب أو الترجّي أو التمنّي أو التهديد أو غيرها .
وأمّا المدلول التصديقي لهيئة فعل الأمر ، فإنّه مختلف من استعمال لآخر ، وذلك أنّ فعل الأمر - باعتباره جملة تامّة مؤلّفة من فعل وفاعل - له هيئة تدلّ على نسبة تامّة أيضاً ، وكلّ نسبة تامّة لها مدلول تصديقيّ ثانٍ جدّيّ نستكشفه من سياق الكلام وحال المتكلّم لا من الوضع ، ومن هنا فإنّ هذا المدلول الجدّي يتغيّر من حالة إلى أخرى تبعاً لسياقات الكلام وأحوال المتكلّمين ، فالمتكلّم تارة يستخدمه في الطلب وأخرى في الترجّي وثالثة في التمنّي ، وهكذا .
صيغة فعل الأمر وفق نظرية التعهّد
كلّ ما سبق كان بناءً على نظريتي الاعتبار والقرن الأكيد ، وأمّا بناءً على نظرية التعهّد ، فإنّ كلّ جملةٍ تامّةٍ موضوعةٌ بالتعهّد لنفس مدلولها التصديقي الجدّي مباشرة ، وبما أنّ هيئة فعل الأمر جملة تامّة فإنّها موضوعة بذاتها ومباشرة لمداليل تصديقية جدّية ولمعانٍ متعدّدة على نحو الاشتراك ، فهذه الهيئة موضوعة بوضع أوّل لإفادة التمنّي ، وبوضع ثانٍ لإفادة الترجّي ، وبوضع ثالث لإفادة الطلب وهكذا ، وقد ذكرنا مراراً عدم تمامية نظرية التعهّد هذه .