الإنسان يده على جسمٍ حارّ فإنّه يحسّ بحرارته ، وهذا الإحساس ينتقل إلى ذهنه ويتحوّل إلى صورة ذهنية ، وهذا هو « المعنى » الذي نتحدّث عنه ، واللفظ - ولنفترضه لفظ « الحار » أو « الحرارة » - إنّما وضع لهذا المعنى الذي جاء من الإحساس بالخارج .
كما زوّد الله سبحانه وتعالى الإنسان بقانون تكوينيّ آخر ، وهو أنّ الإنسان قد لا يحسّ بالشيء بوجوده الخارجي ، وإنّما من خلال صورته ، كأن يرى النار مرسومة على ورقة - مثلاً - وفي هذه الحالة لن يحسّ بها ولا بحرارتها ، ومع ذلك ينتقل ذهنه إلى « المعنى » الذي عنده عن النار ، وهذا ما نعبّر عنه بقدرة الانتقال من « المشابه إلى المشابه » كأن ينتقل من الوجود الكتبي « الصورة » إلى الوجود الخارجي .
وهناك قانون تكوينيّ ثالث - وهو مورد النظر في هذا البحث - زوّد به الذهن البشري ملخّصه : أنّ الشيء إذا اقترن أو ارتبط بشيء آخر ارتباطاً خاصّاً ثمّ انتقل هذا الارتباط إلى الذهن البشري ، فإنّ الإنسان وبمجرّد أن يتصوّر أحد هذين الشيئين ينتقل ذهنه إلى الشيء الآخر ، فلو ذهب مثلاً إلى بلد معيّن وأصيب هناك بحمى شديدة جدّاً ، فإنّه يبقى دائماً حينما يتذكّر ذلك البلد يتذكّر الحمى التي أصابته فيه مع أنّ « الحمى » أجنبية عن « البلد » ، ولكن حيث اقترن أحد هذين الشيئين ( البلد ) اقتراناً خاصّاً وأكيداً بالشيء الآخر ( الحمى ) فإنّ ذهن الإنسان ينتقل بمجرّد تذكّر أحدهما إلى الآخر .
ما ينبغي التنبيه عليه هنا ، هو أنّه لابدّ من وجود ربط خاصّ وقرن أكيد بين الشيئين لا كلّ ربط ، فقد يمرّ الإنسان أثناء سفره بالعديد من المناطق ، ولكنّه لا يتذكّر بعد ذلك من هذه المناطق إلّا المنطقة التي أصابته فيها الحمّى الشديدة والتي حصل فيها ربط خاصّ وأكيد بينها وبين مرضه ذاك .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 271
مساهمون: علاء السالم
ص٢٧١