بيانه في الحلقة الأولى ( 1 ) . ففي قول المولى : « إذا استطعت فحجّ » لا يكون مجرّد تحقّق الاستطاعة كافياً في وجوب الحجّ على المكلّف ، وإنّما هو مهيّئ لموضوع الحكم ، فإذا قطع المكلّف بالحكم - أي وجوب الحجّ على المستطيع - تنجّز في حقه . وبذلك يتّضح أنّ القطع بالخمرية في مثل قول الشارع : « ما تقطع بأنّه خمر حرام » لا يكون منجّزاً للحرمة ، وإنما يهيّئ موضوع هذا الحكم - كالاستطاعة في المثال السابق - وأمّا الذي ينجّز هذا الحكم فهو القطع ب « أنّ مقطوع الخمرية حرام » لأنّ القطع في هذه الحالة طريق إلى الحكم وكاشف عنه ؛ فيكون منجّزاً بسبب كاشفيّته .
القطع الطريقي والموضوعي في آن واحد
قد يكون القطع طريقياً وموضوعياً في آن واحد ، ففي قول المولى : « الخمر حرام » ثمّ قوله : « من قطع بحرمة الخمر يحرم عليه بيعه » نجد أنّ موضوع الحكم الأوّل هو : الخمر ، ومحموله هو : حرام ، وأنّ موضوع الحكم الثاني هو : من قطع بحرمة الخمر ، ومحموله هو : حرمة بيع الخمر . فلو قطع المكلّف بالخمر وقطع بالحرمة تنجّز الحكم الأوّل في حقّه ، وأمّا لو قطع بالخمر وحرمته في الحكم الثاني فإنّه سيكون قد هيّأ الموضوع لحرمة بيع الخمر ، وسيحتاج إلى قطع آخر لكي يتنجّز هذا الحكم في حقّه .
ولذا صحّ القول بأنّ القطع بحرمة الخمر بالنسبة إلى الحكم الأوّل قطع طريقيّ لأنّه نجّزه ، وبالنسبة إلى الحكم الثاني قطع موضوعيّ ؛ لأنّه هيّأ الموضوع لحرمة بيع الخمر .
هامش
( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى : ص 157 - 158 .