وحكمه الذي يبديه ، نتيجة للموازنة والمقارنة ، هو الحكم النهائي دون أن يسجّل لنا رأي ناقد أو أديب في الموضوع ذاته . وقد لا يكتفي بهذا الحكم بل يبدي رأيه في المناقضة ، ويوازن بين الشاعرين . ويشير إلى نقطة ضعف أحدهما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى ، ويتذكر في مثل هذا الموقف أنه قال شبيه هذا المعنى فيورده حسما للموقف على أنه المعنى الفصل . كموازنته موضوع العناق الذي أجراه بين أبي الجوائز الواسطي وابن هندو ، ونتيجته التي أوردها ببيتين من عنده . ومثل ذلك كثير في الدمية .
أما الموازنة بين الشعراء المعاصرين والقدماء فنموذج حسن من التذوق الأدبي لربطه بين شعراء عصره والشعراء السابقين ، وقد عانى الباخرزي هذا النموذج وتلمّس حقائقه . وقد كانت الأسماء : بشار ، وابن المعتز ، والمتنبي ، والمعري ، وأبا تمام ، والبحتري ، وامرأ القيس ، وابن الدومي ، والوأواء ، والهمداني ، ووالديه ، مبثوثة ضمن مقارنات وموازنات حسب حاجة الموقف .
فهو أحيانا يقارن شعر أحد الشعراء بشعر أحد الفحول ليعرّف القرّاء بمكانته . فيقول في حمد بن فورجة البروجرذي : « وشعره فرخ شعر الأعمى ، أعني شاعر معرة النعمان . وان كان هذا الفاضل منزها عن معرّة العميان » .
غير أنه لم يذكر وجه التشابه والمقارنة ، ولا وجه الخلاف بينهما . وأنت إذا لا حظت موازنة بين بيتين لشاعرين دون أن يحكم على أحدهما « 1 » ، فإنك تلاحظ في كثير من الأحيان أنه يحكم لمعاصره على القدماء ، حتى ولو كانوا سادة الشعر في الأدب العربي ، فقد أورد بيت التهامي :
وغادرت في العدا طعنا يحفّ به
ضرب كما حفّت الأعكان بالسرر
قال : « هذا واللَّه هو المعنى البديع . . وقد كان يملكني الاعجاب بقول ابن المعتز :
وتحت زنانير شددن عقودها
زنانير أعكان معاقدها السرر
هامش
« 1 » . انظر موازنته بين الوأواء الدمشقي وعبد الرزاق البوشنجي في بيت الوأواء المشهور : وأسبلت لؤلؤا ( الدمية : 2 / 908 ) .