ولم يقع لنا أنه وقف حيال التشابيه إلا مرّة واحدة مع أبي القاسم المغربي في وصف غلام يسبح ليعبر :
والنهر مثل السيف وه
وفرنده في صفحتيه
« قلت : هذا لعمري أفضل تشبيه ما له شبيه ، وتمثيل لمخترعه مجد أثيل » .
وهو إن أطال ملاحظاته النقدية في علم البديع فلنفس مواتية فيه وفي عصره . أما علم البيان وعلم المعاني فقليل جدا . ويندر وقوفه على علم المعاني .
فتراه مرة واحدة - كالتشبيه - يتوقّف عند بيت علي بن الأزهر :
وماء حلللته وإن كان آجنا ،
وروض رعيت العشب فيه ، رعيت !
عندما أحسّ بانتقال الجملة ( رعيت العشب ) من الخبر إلى الانشاء ( رعيت ! ) . ويشعرك تذوّقه في هذا الانتقال أنه على مقدرة وافية ، فيما لو استرسل . ولعل اغفاله هذا الموضوع كان عن بيّنة ، ذلك أن الكلام مملوء بالخبر والانشاء ، وقد أحس أنّ فيه إطنابا لذا قلب الصفح عنه .
الموازنة بين الشعراء :
يقف الباخرزي بين الشعراء أحيانا موقف الحكم المتفهّم لأمور الشعر والنثر . فيعقد موازنة بين شاعرين معاصرين ، أو بين شاعر معاصر وآخر قديم أو بين شعر الشاعر وشعره هو أو شعر أبيه أو بين مجموعة من الشعراء . وتدلّ موازنة الباخرزي هذه على ادراك تام لما حوت الدواوين القديمة والمعاصرة بشكل يسترعي الانتباه .
وقد يفضّل شاعرا على شاعر ، أو معنى على آخر ، أو واحدا على أكثر من واحد . وقد تكون هذه الموازنة مدروسة يشملها النقد الصريح والمفاضلة العلمية وذلك بأن يعرض النصين تباعا ثم يناقش مواطن الضعف والجودة عند كل واحد ، وبعد ذلك يرسل حكمه الأخير ، وأحيانا يشفعه بنصّ آخر « 1 » .
وقد يبتعد عن كل هذه الأمور فيرسل الموازنة كما وردت دون إبداء رأي في أحد الأطراف ، كما حصل لأبي سعد الناصحي وابن دوست « 2 » .
هامش
« 1 » . لاحظ ما يجريه من مقارنات بشأن صوت القبلة وكيف يفضل قولا على آخر ( 1 / 167 ) .
« 2 » . الدمية : 2 / 1007 .