تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دمية القصر وعصرة أهل العصر — صفحة 1608

مساهمون:

ص١٦٠٨
وينقلنا من مبالغة إلى مبالغة أفدح ، من شعر « لو مزج بالملح الأجاج لعاد عذبا » ، ومن « ألفاظ ليس عليها غبار » إلى « معان لو وردت دجلة لارتوى من زلالها العطشان » . إلى أن يحطَّ بنا عند الشاعر عبد القاهر الجرجاني حيث يبلغ أوج مبالغته ، وذلك عندما يمدح الحسن الخوافي الأعرج ، « ومن مدح رئيسا بالعرج فحدّث عن فضله ولا حرج . ولم أسمع بمثله في فنّه » . بل إنه يحكم على شعر دون أن يستشهد به . وربما قارنه بشاعر قديم كأبي نواس في خمرياته مثلا ، دون أن يذكر شعر الشاعر أو شعر أبي نواس .

ب - النقد البلاغي :

مع أن النقد البلاغي هو من صميم النقد الأدبي ولا ينفصم عنه ، فإننا آثرنا فصله ، لا لشيء إلَّا لنستوفي مجالاته النقدية في شتى المناحي التي اعترضته أو اعترضها . فنراه يشير إلى ألوان معينة من الصور البلاغية دون غيرها تبعا لحاجة العصر ولشهرة هذا النوع في زمانه . ولعل الصنعة اللفظية هي التي تأخذ بمجامع قلبه ، وتراه يوقف المطالع ليخبره عن هذا النوع . وقد تضيق نفسه إن لم يجد للصنعة مجالا ، فإذا مرّ بقصيدة لجعفر الشبيبي امتازت بالليونة والرقّة والموسيقية ، لم تعجبه لأنّ العيب المتجلَّي فيها أنها « من الصنعة مغسولة » . وإذا مرّ بحشو أعجبه شبّهه ب « حشوات اللوزينج » ، أو اعتبره « حشوا رقيق الحاشية » . وتراه يعجب أشدّ العجب ببيت أبي منصور الكندري :
فجلا عن الشمس الكسوف لتملأ ال أقطار والأقطاب ضوءا شاملا
فقال : « . . ولا أعرف أحدا مدح بمثل هذا المديح ، وهو نوع من الصنعة يسمى « تحسين القبيح » . ولا نجد مبررا لهذا التحسين إلا تقدير الباخرزي لمقام الكندري الوزير . وقد يحلو له التفصيل في تعريف المحسنات المعنوية ، وذلك بعد أن يمرّ ببيت فيه « إيهام » مثلا ، كقول الشاعر كامل المنتفقي :
إنسانة الحيّ أم أدمانة السمر بالنهي رقّصها لحن من الوتر
دمية القصر وعصرة أهل العصر — صفحة 1608 | علي بن الحسن بن علي بن أبي الطيب الباخرزي / محمد التونجي