وأقول :
ظهر لك - ممّا سبق [ 1 ] - أنّ معنى رجوع هذه الطوائف ، هو أنّه المؤسّس لهم علم الكلام وطريقة الاستدلال على مسائله ، فلا ينافي مخالفتهم له في كثير من العقائد الحقّة .
ويكفيك من تعاليمه ما تضمّنه « نهج البلاغة » ، الذي هو سنا النور الإلهي ، ومصباح العلم الأحمدي .
قال ابن أبي الحديد في مقدّمة « شرح النهج » : « ما أقول في رجل تعزى إليه كلّ فضيلة ، وتنتهي إليه كلّ فرقة ، وتتجاذبه كلّ طائفة ، فهو رئيس الفضائل ، وينبوعها ، وأبو عذرها [ 2 ] ، وسابق مضمارها ، ومجلَّي [ 3 ] حلبتها ؛ كلّ من برع فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى ، وعلى مثاله احتذى ؟ !
وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ؛ لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ، ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم .
ومن كلامه اقتبس ، وعنه نقل ، وإليه انتهى ، ومنه ابتدأ !
فإنّ المعتزلة الَّذين هم أهل التوحيد والعدل ، وأرباب النظر ، ومنهم
هامش
[ 1 ] تقدّم آنفا في الصفحة 335 وما بعدها ؛ فراجع !
[ 2 ] أبو عذرها وأبو عذرتها : أي هو أوّل كلّ فضيلة والسابق إليها ، وهو مجاز ؛ انظر : تاج العروس 7 / 204 مادّة « عذر » .
[ 3 ] المجلَّي : هو السابق الأوّل من الخيل ؛ وهو الفائز بكلّ فضيلة والسابق إليها ، على المجاز هنا ؛ انظر : لسان العرب 7 / 398 مادّة « صلا » .