وقد وصف عبيد الرّاعي [ 1 ] ، كيف تتحوّل صورة الراعي وتتبدّل خلقته ، وكذلك كلّ صناعة فهي تصوّر صاحبها على ما يشاكلها . ألا ترى أنّ الحائك يعرف بصدرته وتفحّج رجليه [ 2 ] ، ولا يكون أبدا إلَّا وجلد بطنه أسود وقد ذكر خلف بن خليفة [ بذلك ] [ 3 ] وقال عبيد الرّاعي :
ترى وجهه قد شاب في غير لحية
وذا لبدة تحت العصابة أنزعا [ 4 ]
ترى كعبه قد كان كعبين مرّة
وتحسبه قد عاش حولا مكنّعا [ 5 ]
هامش
[ 1 ] هو عبيد بن حصين ( بتصغيرهما ) بن معاوية بن جندل بن قطن بن ربيعة بن عبد اللَّه بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة . لقب بالراعي لكثرة وصفه الإبل والرّعاء في شعره ، أو لبيت قاله ، وهو :لها أمرها حتى إذا ما تبوّأت
لأخفافها مرعى تبوّأ مضجعاالشعراء 415 - 418 ، وابن سلام 250 ، والمؤتلف 122 والأغاني 20 : 168 - 173 ، والخزانة 1 : 502 - 504 ، والسمط 50 .
[ 2 ] التفحج : انفراج ما بين الرجلين ، والصدرة ، بالضم : الصدار ، وهو ما يلبس فوق الصدر . وفي الأصل : " بصورته " . وانظر ما سيأتي في الشعر .
[ 3 ] تكملة يفتقر إليها الكلام ، وإلا كان إقحاما . وانظر الحيوان 3 : 248 . حيث رمي إبراهيم النّظام بأنه أسود البطن ، أي إنه من أبناء الحاكة . أما خلف بن خليفة فهو شاعر إسلامي مجيد محسن مقل ، كان في زمن جرير والفرزدق ، وكان يقال له " الأقطع " لأنه قطعت يده لسرقة اتهم بها ، كما في شرح التبريزي للحماسة 4 : 279 . وقد كانت له أصابع من جلود ، كما في الشعراء 714 . وفيه يقول الفرزدق :هو اللص وابن اللص لا لص مثله
لنقب جدار أو لطرّ الدراهم
[ 4 ] اللبدة هنا : الشعر المتلبّد بعضه على بعض . وفي الأصل : " لبد " . والأنزع : الذي انحسر مقدم شعر رأسه عن جانبي الجبهة .
[ 5 ] كان هنا بمعنى صار ، كما في قوله تعالى
( فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) ، وقول ابن أحمر :بتيهاء قفر والمطي كأنها
قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضهاوكأنه يعني تفلَّق كعبه . والمكنع : المقفّع الأصابع مع يبس وتقبض . والبيت لم يرد في أن الراعي . وأنشده أبو عبيد البكري في سمط اللآلىء 969 .