حدث أحدثت ، ولا جور صنعت ، فإن زعما أنّهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما ، فإنّهما أوّل من ألّب عليه وأغرى الناس بدمه . وأشهد اللّه لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنّهما بعثمان ، فإنّ سيوفنا في عواتقنا ، وقلوبنا في صدورنا ، ونحن اليوم كما كنّا أمس » « 1 » .
قال الأميني : إنّ الأخذ بمجامع الأخبار البالغة خمسين حديثا يعطينا درسا ضافيا بأنّ الرجلين هما أساس النهضة في قصّة عثمان ، وهما اللّذان أسعرا عليه الفتنة ، وإنّهما لم يريا حرجا في إراقة دمه ، وقد استباحا عندئذ ما يحرم ارتكابه في المسلمين إلّا أن يكون مهدور الدم بسبب من الأسباب الموجبة لذلك ، فلم يتركاه حتّى أوديا به . وكان لطلحة هنالك مواقف مشهودة ؛ فمنع عنه الماء الّذي هو شرع سواء بين المسلمين ، وأنّه لم يردّ على عثمان لمّا سلّم عليه ومن الواجب شرعا ردّ السّلام على كلّ مسلم ، وقد منع عن دفنه ثلاثا في مقابر المسلمين وقد أوجبت الشريعة الإسلاميّة المبادرة إلى دفن المسلم ، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولّى تجهيزها بالحجارة والمسلم حرمته ميتا كحرمته حيّا ، فلم يرض طلحة بالأخير إلّا دفنه في مقبرة اليهود حشّ كوكب .
وهل لهذه الأعمال وجه بعد حفظ كرامة صحبتهما ؟ ! والقول بعدالة الصحابة كلّهم ؟ ! وقبول ما ورد في الرجلين أنّهما من العشرة المبشّرة ؟ !
إلّا أن يقال : إنّهما كانا يريان القتيل خارجا عن حوزة المسلمين ، وإلّا لردعتهما الصحبة والعدالة والبشارة عن ارتكاب تلكم الأعمال في أيّ من ساقة المسلمين فضلا عن خليفتهم .
وأمّا ما أظهراه من التوبة « 2 » بعد أن نكثا البيعة الصحيحة المشروعة ،
هامش
( 1 ) - شرح نهج البلاغة 1 : 103 [ 1 / 311 ، خطبة 22 ] .
( 2 ) - عن طلحة قال : « إنّه كان منّي في عثمان شيء ، ليس توبتي إلّا أن يسفك دمي في طلب دمه » ؛ انظر تاريخ الأمم والملوك 5 : 183 [ 4 / 476 ، حوادث سنة 36 ه ] .