نسلم قوة معرفة المشاهدة على معرفة الذات مطلقا بل فيه تفصيل وهو أن المشاهدة في حق عارف للذات أقوى منها في معرفتها بخلاف من لم يعرف الذات .
قيل : وهذا لا محيص عنه فإن من وضع بين يديه ثلاثة أحجار من بلخش وبنفش وزجاج ولا يميز بينها لا تفيده المشاهدة في معرفة الذات شيئا وأبلغ من ذلك أنا نميز الإنسان عن غيره من الحيوانات بالمشاهدة وقد حارت الألباب في معرفة الله ويترتب على هذا أن اكتفاء الأصحاب بالرؤية كالصفة لا يصح إلا في حق العالم بالموصوف لتزيل الرؤية الضرر عنه أما في حق من لا تفيده الرؤية فلا يتجه الاكتفاء بها .
ويؤيده ما نشاهده في العقلاء من معاندتهم على ما لا يعرفون لا يكتفون برؤيتهم بل يستصحبون الخبيرين بذلك .
وقد حكى الرافعي في باب التصرية وجها : أن العيان لا يكفي في حق من لا يفيده العيان معرفة وأنه يخرج على الخلاف في بيع الغائب ولا أثر لعيانه قال وهذا الوجه فيما لو اشترى زجاجة ظنها جوهرة واستشهد بمسألتين ذكرهما النووي في فتاويه إحداهما لو رأى العيب ولم يعلم أنه عيب فإنه يثبت له الخيار إذا كان يخفى على مثله الثانية لو رأى العيب وعلم أنه عيب ولكنه ظن غير العيب الذي في نفس الأمر ورضي بما ظنه لا بما هو عيب في نفس الأمر ثبت له الخيار إذا كان الذي في نفس الأمر أشد ضررا .
وفيما قاله هذا الفاضل نظر فقد أطبق أئمة السنة على أن معرفة الله بالمشاهدة هو أتم النظر في حق كل أحد ينعم الله عليه سبحانه برؤيته ولا يحتاج إلى معرفة الذات قبل ذلك لأنه تعالى يخلق فيه علما ضروريا بأن هذا المرئي هو الرب سبحانه ولا بد من ذلك لأن الإحاطة المقتضية للتكييف مستحيلة في حقه سبحانه فلا بد من هذا العلم الضروري لتصح الرؤية وحينئذ فلا يحتاج إلى تقديم معرفة الذات .
وتمثيله بالجواهر الثلاثة ضعيف إذ مع العلم الضروري لا يبقى مثال بل قد قال الأئمة معارف الآخرة كلها ضرورية في حق المؤمن والكافر اللهم إلا أن نقول العلم الضروري الذي يخلقه الله لهم كاف في معرفة الذات ثم تنضم إليه المشاهدة فيكون أتم وهذا محتمل .
ثم ما رأيته من أنه لا يفيده الرؤية لا يتجه الاكتفاء بها في حقه وأن الضرر لا يزول عنه بذلك فيرجع إلى قاعدة المالكية في أن الغبن يثبت الخيار إذا كان بمقدار
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 54
مساهمون: الزركشي
ص٥٤