ورآى منه آثار الامتصاص وحركة الغلصمة لم يسترب في وصول اللبن إلى الجوف وحل له أن يشهد شهادة تامة بالرضاع ولو أنه لم يشهد بالرضاع ولكن شهد بالقرائن الحاملة له على الشهادة لم يثبت الرضاع وذلك لأن ما يسمعه القاضي وصفا لا يبلغ مبلغ العيان والذي يفضي بالعاين إلى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الوصافين .
ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا افصل بين حمرة وجنة الغضبان وبين حمرة الموعوك لم تساعده عبارة فإن القرائن لا يبلغها غايات العبارات ومن ثم لم يتوقف حصول العلم بخبر التواتر على عدد محصور ولكن إذا ثبت قرائن الصدق ثبت العلم به .
مسألة
[ الاختلاف في المحسات ]
اختلفوا في المحسات فقيل : كلها في درجة واحدة وقيل السمع والبصر مقدمان ثم هؤلاء اختلفوا فمنهم من قدم البصر على السمع لتعلقه بجميع الموجودات ومنهم من سوى بينهما ومنهم من قدم السمع لأنه لا يحتاج إلى الأشعة المتعرضة للتعريجات والحركات ولأن السمع لا يختص دركه بجهة بخلاف البصر واختار ابن قتيبة هذا وقال قدم الله السمع على البصر فقال : * ( أفأنت تسمع الصم ) * [ يونس : 42 ] ثم قال : * ( ومنهم من ينظر إليك ) * [ يونس : 43 ] وقال : إن الله لم يبعث أصم ومن الأنبياء عميانا وقال أئمتنا وهذا فضول منه .
واختلفوا أيضا فقدم أبو الحسن ما يدرك بالحواس على ما يدرك بنظر العقل وقدم القلانسي ما يعلم بالنظر على ما يعلم بالمحسات لأن تعرض الحواس للآفات أكثر من تعرض العقل لها .
قال ابن القشيري : وكل هذا تكثير الجوز بالعفن وقد اخترنا أن العلوم ضرورية لا تقديم ولا تأخير نعم قد يطول الطريق ويقصر فيترتب الأمر لذلك وأما العلوم في أنفسها فلا ترتب فيها .
مسألة
تعليق العلم بأكثر من معلوم واحد
منع القاضي وغيره تعلق العلم بأكثر من معلوم واحد لكن قيده بما لا يتلازم ،
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 51
مساهمون: الزركشي
ص٥١