واعلم أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس لأن السبب المعين يستدعي مسببا معينا كالزنى بعد الإحصان فإنه يقتضي مسببا معينا وهو الرجم والمسبب المعين لا يستدعي سببا معينا بل سببا ما كإباحة الدم فإنها تقتضي سببا غير معين وهو إما الكفر بعد الإيمان أو الزنى بعد الإحصان أو قتل بغير حق ولا يقتضي واحدا من هذه الأمور بعينه وما اقتضى الشيء المعين أقوى مما يقتضي المطلق لأن المقتضي للمعين يقتضي المطلق وزيادة وهي التعيين فكان أولى كالضرب فإنه يقتضي الألم جزما بخلاف الألم فإنه لا يقتضي الضرب على التعيين لجواز أن يخلفه سبب آخر فكان فهم المسبب من اسم السبب فوق فهم السبب من اسم المسبب فكان أبلغ إفادة للمقصود وهكذا يقول إطلاق اسم اللزوم على اللزوم أولى من العكس وكذا إطلاق اسم الكل على الجزء وقد يقال إن إطلاق اسم السبب على المسبب أولى من إطلاق اسم الملزوم على اللازم لما بين السبب والمسبب من الاتصال والمناسبة .
العلاقة الثالثة : المشابهة وهي تسمية الشيء باسم مشبهة إما في الصورة كإطلاق اسم الأسد على المنقوش في الحائط بصورته وإما في المعنى كالصفة الظاهرة للحقيقة كإطلاق اسم الأسد على الشجاع فلا يجوز في الحقيقة كاستعارة لفظ الأسد للرجل الأبخر إذ هي صفة غير مشهورة .
وقال القرافي : إنه يشترط فيها أن تكون أشهر صفات المحل ومن هاهنا توهم بعضهم اشتراط كون العلاقة أمرا ذهنيا كما سبق ونحن إن اشترطنا الظهور فلا نشرط كونه ذهنيا .
وقد اجتمعت المشابهة في الصورة والصفة الظاهرة معا في قوله تعالى : * ( فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ) * [ سورة طه / 88 ] فإن العلاقة مجموع الشكل والخوار وإما بدون أداة كقوله تعالى : * ( وأزواجه أمهاتهم ) * [ سورة الأحزاب / 6 ] أي مثل أمهاتهم في الحرمة وتحريم المناكحة وقولهم أبو يوسف أبو حنيفة ومنه تسمية الكافر كافرا إذ حقيقة الكفر ستر جرم بجرم وتغطيته لئلا تراه العيون ولما كان الكفر واحدا والإيمان واقع للبصيرة عن إدراك الحق شبه بما يمنع الإبصار من المحسوسات .
وقيل : في قوله تعالى : * ( أعجب الكفار نباته ) * [ سورة الحديد / 20 ] أي الزراع لكفرهم الحب في الأرض ويسمى المجاز الذي علاقته المشابهة استعارة فالاستعارة أخص من المجاز وخص الإمام الاستعارة بالمتشابه المعنوي لا الصوري وتبعه
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 555
مساهمون: الزركشي
ص٥٥٥