نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من
مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان هضما لنفسه ، أو لأن عدم احتمال القوة
للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان ( 1 ) انتهى ، قوله تعالى : " لا
تعبد الشيطان " أي لا تطعه في عبادة الآلهة ، ثم علل ذلك بأن الشيطان عاص لله
والمطاوع للعاصي عاص ، " وليا " أي قرينا في اللعن أو العذاب تليه ويليك ، أو ثابتا
في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب .
قوله : " والشياطين " قال البيضاوي : عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة
يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة " جثيا " على
ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع ، أو لأنه من توابع التواقف للحساب ( 2 ) .
" إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين " قال الطبرسي : أي خلينا ( 3 ) بينهم
وبين الشياطين إذا وسوسوا إليهم ودعوهم إلى الضلال حتى أغووهم ولم يحل بينهم وبينهم
بالالجاء ولا بالمنع ، وعبر عن ذلك بالارسال على سبيل المجاز والتوسع ، وقيل :
معناه سلطانهم عليهم ويكون في معنى التخلية أيضا " تؤزهم أزا " أي تزعجهم إزعاجا
من الطاعة إلى المعصية عن ابن عباس .
وقيل : تغريهم إغراء بالشئ ( 4 ) تقول : امض في هذا الأمر حتى توقعهم
في النار عن ابن جبير ( 5 ) .
قوله سبحانه : " ومن الشياطين من يغوصون له " قال الرازي : المراد أنهم
يغوصون له في البحار فيستخرجون الجواهر ويتجاوزن ذلك إلى الأعمال المهين ( 6 )
هامش
( 1 ) أنوار التنزيل 2 : 20 .
( 2 ) أنوار التنزيل 2 : 43 .
( 3 ) في نسخة : [ ولم يخل ] وفى المصدر : ولم نحل .
( 4 ) في نسخة : [ تغويهم اغواء بالشئ ] وفى المصدر : تغريهم اغراء بالشر .
( 5 ) مجمع البيان 6 : 530 و 531 .
( 6 ) في المصدر : إلى الاعمال والمهن .