تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها - ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعا للدور أو التسلسل - فهي علوم كسبية . فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الانسانية هو أنه تعالى أعطى الحواس والقوى الداركة للصور الجزئية . وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة هي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات ، وإنما لا يظهر آثارها عليها ، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئا فشيئا وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية ، فالمراد بقوله " لا تعلمون شيئا " أنه لا يظهر أثر العلم عليهم ، ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب سائر العلوم ، ومعنى " لعلكم تشكرون " أن تصرفوا كل آلة في ما خلق لأجله ، وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف " جعل " على " أخرج " أن يكون جعل السمع والبصر والأفئدة متأخرا عن الاخراج من البطن . " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " قال الرازي : لما أشار إلى دلائل الأنفس والآفاق ذكر ما هو من صفات الأنفس بالاختلاف الذي بين ألوان الانسان فإن واحدا منهم مع كثرة عددهم وصغر حجمهم ، خدودهم وقدودهم لا تشتبه بغيرهم . والثاني اختلاف كلامهم فإن عربيين هما أخوان إذا تكلما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر ، حتى أن من يكون محجوبا عنهما لا يبصر هما يقول : هنا صوت فلان . وفيه حكمة بالغة ، وذلك لان الانسان يحتاج إلى التمييز بين الاشخاص ليعرف صاحب الحق من غيره ، والعدو من الصديق ، ليحتزر قبل وصول العدو إليه ، وليقبل علي الصديق ( 1 ) قبل أن يفوته الاقبال عليه ، وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور ، وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا يفيد فائدة في معرفة العدو والصديق فلا يقع التمييز ( 2 ) ومن الناس من قال : إن المراد اختلاف اللغات كالعربية والفارسية والرومية وغيرها ، والأول أصح - انتهى - . وعلى الثاني المراد أنه علم كل صنف لغته ، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها .
هامش
( 1 ) في أكثر النسخ " ليحترز قبل . . " وهو خطا من النساخ ظاهر . ( 2 ) في أكثر النسخ " التميز " .