وللباحث ها هُنَا أنْ يتصوَّر حجم المرارة الَّتِي ستكابدها مريم جراء إعلانها عَنْ تلك المأمورية ، فَمِنْ جهة كَانَ أوَّل مَنْ أعلن عَنْ الأمر الإلهي الجديد هِيَ مريم المرأة ، وَمِنْ جهة كَانَ المعلن إليهم والمكلف بالتحوّل مِنْ شريعة إلى شريعة هُمْ بنو إسرائيل الَّذِيْنَ قصّ لنا القُرآن فِي سورة البقرة عَنْ لجاجهم وحجاجهم للساحة الربوبية فِي أكثر مِنْ تشريع وأكثر مِنْ تكليف ، وقصّ علينا كَذَلِكَ إجهادهم للأنبياء السابقين مِنْ يعقوب إلى يوسف ثمَّ موسى وهارون وزكريا ويحيى ( عليهم السلام ) ، وكذا أنبياء عديدون قَدْ نالهم الإعياء والإجهاد جرَّاء تكليفهم بهداية بني إسرائيل .
وَمِنه يتبيّن ما يمكن أنْ ينال مريم منهم ، وَمَعَ كُلّ ذَلِكَ كانت هِيَ المأمورة بالخطاب الإلهي المباشر أنْ تكون واسطة بين شريعتين .
ونفس جعل المأمورية عَلَى عاتق مريم يشهد بما لها مِنْ مقام وسُؤدد ، حَيْثُ كانت حلقة رابطة وناقلة للبشر مِنْ نبوة موسى إلى نبوّة عيسى فِي حين أنَّهُ لَمْ يوكل ذَلِكَ الدور لزكريا أو يحيى أو غيرهما مِنْ الأنبياء ( عليهم السلام ) .
وَقَدْ اعتقد بنو إسرائيل أنَّ العدوان عَلَى مريم كَانَ سهلًا لكونها امرأة وَغَيْر موصوفة بنبوة ولا برسالة ، فَكَانَ خطابهم كَمَا حكاه القُرآن في قوله تعالى :
( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا )
« 1 »
.
هامش
( 1 ) سورة مريم : الآية 28 .