تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
من باب المدينة ، ثم إن بني إسرائيل تغيروا فما برحوا حتى كر عليهم ، وذلك قوله تعالى : " فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم " فأخبرهم أرميا عليه السلام أن بخت نصر يتهيأ للمسير إليكم ، وقد غضب الله عليكم ، وأن الله تعالى جلت عظمته يستتيبكم لصلاح آبائكم ويقول : هل وجدتم أحدا عصاني فسعد بمعصيتي ؟ أم هل علمتم أحدا أطاعني فشقي بطاعتي ؟ وأما أحباركم ورهبانكم فاتخذوا عبادي خولا يحكمون فيهم بغير كتابي حتى أنسوهم ذكري ، وأما ملوككم وأمراؤكم فبطروا نعمتي ، وغرتهم الحياة الدنيا وأما قراؤكم وفقهاؤكم فهم منقادون للملوك يبايعونهم على البدع ويطيعونهم في معصيتي وأما الأولاد فيخوضون مع الخائضين ، وفي كل ذلك ألبسهم العافية ( 1 ) فلأبدلنهم بالعز ذلا ، وبالأمن خوفا ، إن دعوني لم أجبهم ، وإن بكوا لم أرحمهم . فلما بلغهم ذلك نبيهم كذبوه وقالوا : لقد أعظمت الفرية على الله ، تزعم أن الله معطل مساجده من عبادته ! فقيدوه وسجنوه ، فأقبل بخت نصر وحاصرهم سبعة أشهر حتى أكلوا خلاهم ، وشربوا أبوالهم ، ثم بطش بهم بطش الجبارين بالقتل والصلب والاحراق وجذع الأنوف ونزع الألسن والأنياب ووقف النساء ، فقيل له : إن لهم صاحبا كان يحذرهم بما أصابهم فاتهموه وسجنوه ، فأمر بخت نصر فأخرج من السجن ، فقال له : أكنت تحذر هؤلاء ؟ قال : نعم ، قال : وأنى علمت ذلك ؟ قال : أرسلني الله به إليهم ، قال فكذبوك وضربوك ؟ قال : نعم ، قال : لبئس القوم قوم ضربوا نبيهم وكذبوا رسالة ربهم ، فهل لك أن تلحق بي فأكرمك ، وإن أحببت أن تقيم في بلادك آمنتك ؟ قال أرميا عليه السلام : إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ، ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا من أمانه لم يخافوك ، فأقام أرميا عليه السلام مكانه بأرض إيليا ( 2 ) وهي حينئذ خراب قد هدم بعضها ، فلما سمع به من بقي من بني إسرائيل اجتمعوا إليه فقالوا : عرفنا أنك نبينا فانصح لنا ، فأمرهم أن يقيموا معه ، فقالوا : ننطلق إلى ملك مصر نستجير ، فقال أرميا عليه السلام : إن ذمة الله أوفى الذمم ، فانطلقوا إلى مصر وتركوا أرميا ، فقال لهم الملك : أنتم في ذمتي ،
هامش
( 1 ) لعله مصحف " ألبستهم العافية " . ( 2 ) ايلياء بالمد والقصر - وقيل فيه لغة ثالثة حذف الياء الأولى - : اسم مدينة بيت المقدس .