يرتفع الوجوب ، ولم تحصل الحاجة إلى العلة ( 1 ) .
برهان آخر : إن الماهية لا توجد إلا عن إيجاد من العلة ، وإيجاد العلة لها
متوقف على وجوب الماهية المتوقف على إيجاب العلة ، وقد تبين مما تقدم أن
إيجاب العلة متوقف على حاجة الماهية إليها ، وحاجة الماهية إليها متوقفة
على إمكانها ، إذ لو لم تمكن - بأن وجبت أو امتنعت - استغنت عن العلة بالضرورة ،
فلحاجتها توقف ما على الإمكان بالضرورة ، ولو توقفت مع ذلك على حدوثها
- وهو وجودها بعد العدم - ، سواء كان الحدوث علة والإمكان شرطا أو عدمه
مانعا أو كان الحدوث جزء علة والجزء الآخر هو الإمكان أو كان الحدوث شرطا
أو عدمه الواقع في مرتبته مانعا ، فعلى أي حال يلزم تقدم الشئ على نفسه
بمراتب ، وكذا لو كان وجوبها أو إيجاب العلة لها هو علة الحاجة بوجه .
فلم يبق إلا أن يكون الإمكان وحده علة للحاجة ، إذ ليس في هذه السلسلة
المتصلة المترتبة عقلا قبل الحاجة إلا الماهية وإمكانها .
وبذلك يندفع ما احتج به بعض القائلين بأن علة الحاجة إلى العلة هو الحدوث
دون الإمكان ( 2 ) ، من أنه لو كان الإمكان هو العلة دون الحدوث جاز أن يوجد
القديم الزماني ، وهو الذي لا أول لوجوده ولا آخر له ، ومعلوم أن فرض دوام
وجوده يغنيه عن العلة ، إذ لا سبيل للعدم إليه حتى يحتاج إلى ارتفاعه .
وجه الاندفاع : أن المفروض أن ذاته هي المنشأ لحاجته ، والذات محفوظة مع
هامش
( 1 ) راجع شرح المنظومة : 72 .
( 2 ) مراده من " بعض القائلين " جمع من المتكلمين كما صرح به في نهاية الحكمة : 79 . ونسبه
إليهم العلامة التفتازاني في شرح المقاصد 1 : 127 . ونسبه الشيخ الرئيس إلى ضعفاء
المتكلمين في النجاة : 213 . ونسبه المحقق اللاهيجي إلى قدماء المتكلمين في شوارق
الإلهام 1 : 89 - 90 ، وكذا العلامة في أنوار الملكوت : 58 . ونسبه صدر المتألهين إلى قوم من
المتسمين بأهل النظر وأولياء التميز في الأسفار 1 : 206 . ونسبه ابن ميثم إلى أبي هاشم من
المتكلمين في قواعد المرام : 48 .
فالقائل به جمع من قدماء المتكلمين ، وأما المتأخرون منهم فذهبوا إلى خلاف ذلك .