الحاجة إلى العلة حدوثا وبقاء واحد ، والحاجة ملازمة .
وقد استدلوا على استغناء الممكن عن العلة في حال البقاء بأمثلة عامية ،
كمثال البناء والبناء ، حيث إن البناء يحتاج في وجوده إلى البناء ، حتى إذا بناه
استغنى عنه في بقائه .
ورد : بأن البناء ليس علة موجدة للبناء ، بل حركات يده علل معدة لحدوث
الاجتماع بين أجزاء البناء ، واجتماع الأجزاء علة لحدوث شكل البناء ، ثم اليبوسة
علة لبقائه مدة يعتد بها ( 1 ) .
خاتمة :
قد تبين من الأبحاث السابقة أن الوجوب والإمكان والامتناع كيفيات ثلاث
لنسب القضايا ( 2 ) ، وأن الوجوب والإمكان أمران وجوديان ( 3 ) ، لمطابقة القضايا
الموجهة بهما للخارج مطابقة تامة بما لها من الجهة ، فهما موجودان لكن بوجود
موضوعهما لا بوجود منحاز مستقل ، فهما كسائر المعاني الفلسفية - من الوحدة
والكثرة ، والقدم والحدوث ، والقوة والفعل ، وغيرها - [ التي ] أوصاف وجودية
موجودة للموجود المطلق ، بمعنى كون الاتصاف بها في الخارج وعرضها في
الذهن ، وهي المسماة ب " المعقولات الثانية " باصطلاح الفلسفة ( 4 ) .
هامش
( 1 ) كما في الأسفار 1 : 221 . والحاصل أنهم لم يفرقوا بين المعد والموجد ، ولهذا وقعوا في
ذلك .
( 2 ) خلافا لصاحب المواقف حيث ذهب إلى أن الوجوب والإمكان والامتناع في الأبحاث
السابقة غير الوجوب والإمكان والامتناع التي هي جهات القضايا وموادها . فراجع شرح
المواقف : 131 .
( 3 ) خلافا للشيخ الإشراقي ، فإنه قد وضع قاعدة لكونهما وأشباههما أوصافا عقلية لا صورة لها
في الأعيان . راجع حكمة الإشراق . 71 - 72 .
( 4 ) اعلم أن للمعقول الثاني اصطلاحين :
الأول : اصطلاح المنطقي : وهو كون الاتصاف بالشئ وعرضه على المعروض في الذهن .
الثاني : اصطلاح الفلسفي : وهو كون الاتصاف بالشئ في الخارج وعرضه على
المعروض في الذهن .