وأما كونه لازما للماهية ، فلأنا إذا تصورنا الماهية من حيث هي ، مع قطع
النظر عن كل ما سواها ، لم نجد معها ضرورة وجود أو عدم ، وليس الإمكان إلا
سلب الضرورتين ، فهي بذاتها ممكنة . وأصل الإمكان وإن كان هذين السلبين ،
لكن العقل يضع لازم هذين السلبين - وهو استواء النسبة - مكانهما ، فيعود
الإمكان معنى ثبوتيا وإن كان مجموع السلبين منفيا .
الفصل الثامن
في حاجة الممكن إلى العلة ، وما هي علة احتياجه إليها ؟
حاجة الممكن إلى العلة ( 1 ) من الضروريات الأولية ، التي مجرد تصور
موضوعها ومحمولها كاف في التصديق بها ( 2 ) ، فإن من تصور الماهية الممكنة
المتساوية النسبة إلى الوجود والعدم وتصور توقف خروجها من حد الاستواء إلى
أحد الجانبين على أمر آخر يخرجها منه إليه لم يلبث أن يصدق به .
وهل علة حاجة الممكن إلى العلة هي الإمكان ، أو الحدوث ( 3 ) ؟ الحق هو
الأول ، وبه قالت الحكماء .
واستدل عليه بأن الماهية باعتبار وجودها ضرورية الوجود ، وباعتبار عدمها
ضرورية العدم ، وهاتان الضرورتان بشرط المحمول ، وليس الحدوث إلا ترتب
إحدى الضرورتين على الأخرى ، فإنه كون وجود الشئ بعد عدمه ، ومعلوم أن
الضرورة مناط الغنى عن السبب وارتفاع الحاجة ، فما لم تعتبر الماهية بإمكانها لم
هامش
( 1 ) أي توقفه في تلبسه بالوجود أو العدم إلى أمر وراء ماهيته . . .
( 2 ) كما في المطالب العالية 1 : 83 - 84 ، والأسفار 1 : 207 ، وشرح المواقف : 134 ، وشرح
المنظومة : 70 .
( 3 ) اعلم أن في المسألة أقوال أربعة ذهب إلى كل منها طائفة . قال ابن ميثم البحراني في قواعد
المرام في علم الكلام : 48 : " علة حاجة الممكن إلى المؤثر هي إمكانه ، وعند أبي هاشم
الحدوث ، وعند أبي الحسين البصري هي المركب منهما ، وعند الأشعري الإمكان بشرط
الحدوث " . وقريب منه ما في إرشاد الطالبين : 79 .