ابن الفارض :
نعرض بعد ذلك للحديث عن « ابن الفارض » ، واسمه الكامل هو « شرف الدين أبو حفص عمر » وليس له كابن العربي علاقة مباشرة بإيران ولكننا نتناوله بالحديث لأنه كان من أشهر شعراء الصوفية المسلمين وأنبههم ذكرا وأكثرهم نبوغا .
ومن الواجب علينا أن نؤكد كل ذلك عنه لأن الرأي السائد في أوروبا يميل إلى الاعتقاد بأن مذهب الصوفية هو نتاج فارسي أو آرى خالص ، وهو رأى معيب لا أقره بل أقول إنه لا يستقيم مع الواقع وحقيقة الأمر .
ويذكر كثير من المراجع أن « ابن الفارض » ولد بالقاهرة في سنة 556 ه - 1161 م أو في سنة 566 ه - 1170 م ولكن « ابن خلكان » يذكر أنه ولد في الرابع من ذي القعدة سنة 576 ه - 22 مارس 1181 م .
وتنحدر أسرته من مدينة « حماة » من بلاد الشام ، ومن أجل ذلك فقد نسبوه إليها فقالوا عنه « الحموي » كما نسبوه إلى مصر فقالوا « المصري » . ولم تكن حياته مليئة بالأحداث ، وكل ما رواه أصحاب التراجم عنه عبارة عن بعض الأحداث التي لها طابع الكرامات ، وقد اعتمدوا في روايتها على ابنه « كمال الدين محمد » . وقد أمضى « ابن الفارض » شطرا كبيرا من شبابه في الخلوة في جبل المقطم بالقرب من القاهرة . وقد ترك والده قبيل مماته خدمة الحكومة وآثر الانقطاع إلى اللّه في الجامع الأزهر ، فلما أدركته الوفاة أطال « ابن الفارض » أوقات عزلته ولزوم الخلوة في جبل المقطم . ثم حرضه بقال عجوز ، توسم فيه أنه ولى من أولياء اللّه أن يخرج للحج ، فلبى « ابن الفارض » دعوته وخرج من القاهرة إلى مكة حيث أقام فترة من الزمن ، لازمته خلالها دابة غامضة تدعوه عبثا إلى امتطاء متنها في رحلاته وأسفاره . وقد ظل على هذه الحال كما يقول جامى في نفحاته ( ص 627 ) مدة خمس عشرة سنة ثم هتف به هاتف أن يعود إلى القاهرة ليكون إلى جوار البقال وهو يحتضر على فراش الموت . وقد حكوا عن هذا البقال كثيرا من الكرامات كما حكوا بمناسبة جنازته كثيرا من الحكايات الغريبة المتعلقة بطيور الجنة الخضراء التي تسكنها أرواح الشهداء .
وقد بقي « ابن الفارض » بعد ذلك الوقت في مدينة القاهرة حتى أدركته الوفاة في