تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الادب في ايران من الفردوسى الى السعدى — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وقد بلغ هو وأسرته من علو الشأن ما يذكرنا بما بلغه « البرامكة » في قديم الأزمان ، وربما فاق شأنهم شأن هؤلاء وأربى عليهم ، ولكن السبب الأبدي الذي أودى بالبرامكة وغيرهم من كبار الوزراء الذين أخرجتهم إيران والذي سيودى دائما بكل وزير تنجبه هذه البلاد ، وأعنى إثارة حفيظة الملوك عليهم بواسطة خصومهم الحاقدين ، كان يضيق الخناق على « نظام الملك » ويعمل على هدمه وتحطيمه . وكانت « تركان خاتون » - زوجة ملكشاه المحبوبة - هي أعدى أعدائه وألد خصومه ، وكانت شديدة التأثير على زوجها ، مسموعة الكلمة لديه ، وكان مطمعها الوحيد الذي تصبو إليه أن تضمن ولاية العهد لابنها الصغير « محمود » . وكان وزيرها « تاج الملك » يؤيدها في تحقيق هذه الرغبة ، بينما كان المعروف عن « نظام الملك » أنه يؤيد الأخ الأكبر « بركيارق » الذي لم يتجاوز في ذلك الوقت الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمره . أما السبب المباشر الذي أدى إلى نكبة « نظام الملك » وأسرته فكان مرجعه إلى السلوك الشائن الذي سلكه واحد من أحفاده كان حاكما على مدينة مرو « 1 » فنال بالأذى واحدا من الناس ، أسرع برفع شكايته إلى ملكشاه . فأرسل السلطان رسالة شديدة اللهجة إلى « نظام الملك » سأله فيها على سبيل التهكم : هل هو يقنع بمنصب الوزارة أو يعتبر نفسه شريكا له في الملك ؟ ! ثم أخبره أن أقرباءه « لا يقنعون بالمناصب العالية في الدولة بل يظهرون كثيرا من التبجح والرعونة اللذين لا يمكن الإغضاء عنهما . واستاء الوزير العجوز من هذه الكلمات العنيفة التي كالها له « ملكشاه » وأحس بأن مليكه مدين له بكثير مما ناله من خير ، فقال في رعونة وغلظه : « إن الذي وضع التاج على رأسك قد وضع القلنسوة على رأسي . . . ! ! » وأضاف إلى ذلك عبارات خشنة أخرى « 2 » ، نقلها الحاضرون إلى السلطان في كثير من المبالغة والتهويل ، فأمر ملكشاه بعزله وتوليه « أبى الغنائم تاج الملك » في مكانه « 3 » ؛ وقد اقترنت هذه الحركة بكثير من التغييرات الوزارية الطائشة فاستبدل « كمال الدين أبو الرضا » ب « سديد الملك أبى المعالي » كما استبدل
هامش
( 1 ) هو ابن ابنه « جمال الدين » الذي أمر « ملكشاه » بدس السم له قبل ذلك بعشر سنوات فمات مسموما . ( 2 ) يورد ابن الأثير تفصيلات هذه الحادثة في كثير من الإيضاح ( ج 10 ص 76 - 77 ) ولكني رويت هنا ما ورد في « راحة الصدور » ( ورقة 58 ) فقد استرعت روايته أنظار جميع الكتاب الذين تناولوا هذه الواقعة بالبحث . ( 3 ) كان « تاج الملك » من أقرب المقربين إلى « تركان خاتون » كما ذكرنا ذلك آنفا .