تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 665

مساهمون:

ص٦٦٥
عاقلا ، حليما ، نظيفا ، حكيما ، وكان أبوه رجلا مثريا كثير المال ، يملك الماشية من الإبل ، والبقر ، والغنم ، والحمير ، والبغال ، والخيل ، ولم يكن في أرض الشام من كان في غنائه ، فلما مات ورث ذلك أيوب ، وكان أيوب يومئذ عمره ثلاثين سنة ، فأحب أن يتزوج ، فوصفت له رحمة بنت إفرائيم « 1 » بن يوسف ( عليه السلام ) ، وكانت رحمة عند أبيها بأرض مصر ، وكان أبوها شديد الفرح بها ، وكان يحبها حبا عظيما ، لأنه رأى في المنام أن جدها يوسف ( عليه السلام ) نزع قميصا كان عليه فألبسها إياه ، وقال : يا رحمة ، هذا حسني وجمالي وبهائي قد وهبته لك . وكانت رحمة أشبه الخلق بيوسف ( عليه السلام ) ، وكانت زاهدة عابده ، فلما سمع بها أيوب رغب فيها ، فخرج إلى بلدها ومعه مال جزيل وهدايا ، وسار حتى وصل إلى أبيها ، فخطب منه ابنته رحمة ، فزوجه إياها لزهده وماله ، وجهزها إليه ، فحملها أيوب إلى بلاده ، فرزقه الله منها اثني عشر بطنا ، في كل بطن ذكر وأنثى . ثم بعثه الله إلى قومه رسولا ، وهم أهل حوران والبثنة « 2 » ، وأعطاه الله من حسن الخلق والرفق ما لم يعطه أحد ، ولم يخالفه أحد ، ولا يكذبه أحد لشرفه وشرف أبيه ، فشرع لهم الشرائع ، وبنى لهم المساجد ، وكانت له موائد يضعها للفقراء والمساكين والأضياف يضيفهم ويكرمهم ، وكان لليتيم كالأب الرحيم ، وللأرملة كالزوج العطوف ، وللضعيف كالأب الودود ، وكان قد أمر وكلاءه وأمناءه أن لا يمنعوا أحدا من زرعه وأثماره ، وكان الطير والوحوش وجميع الأنعام ترعى في كسبه « 3 » ، وبركة الله تعالى تزداد لأيوب ( عليه السلام ) صباحا ومساء ، وكانت جميع مواشيه تحمل في كل سنة توأمين ، ولم يكن أيوب ( عليه السلام ) يفرح بشيء من ذلك ، لكنه يقول : إلهي وسيدي ومولاي وسندي ، هذه الدنيا على هذه الحالة ، فكيف بالآخرة والجنة التي خلقتها لأهل كرامتك ؟ وكان إذا جاء الليل يجمع من يلوذ به في مسجده ، يصلون بصلاته ، ويسبحون بتسبيحه ، حتى إذا أصبح أمر باتخاذ الطعام لهم ، ولجميع الضعفاء ، وكان يذهب له في ذلك مال لا يحصى ، وكان له من الخيل ألف فرس ، وألف رمكة ، وألف بغل وبغلة ، وثلاثة آلاف بعير ، وألف وخمس مائة ناقة ، وألف ثور ، وألف بقرة ، وعشرة آلاف شاة ، وخمس مائة فدان ، وثلاث مائة أتان « 4 » ، وخلف كل رمكة مهران أو ثلاثة ، وكل ناقة فصيل ، وكذلك جميع مواشيه ، وعلى كل خمسين رأسا من هذه راع مملوك لأيوب ، ولكل عبد منهم أهل وولد . وكان إبليس اللعين لا يمر على شيء من مال أيوب إلا رآه مختوما بخاتم الشكر ، مطهرا بالزكاة ، فحسده ، ولم يقدر له على ضرر ، وكان إبليس في ذلك الزمان يصعد إلى السماوات السبع ، ويحجب من دون العرش ، ويقف في أي مكان منها شاء ، حتى رفع عيسى بن مريم ( عليه السلام ) ، فحجب عن أربع سماوات ، ويصعد إلى ثلاثة منها ، حتى بعث النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فحجب إبليس عن جميعها ، وكان يسترق السمع بعد ذلك ، ومنه تعجبت الإنس والجن ، وذلك معنى قوله تعالى : وأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وشُهُباً
هامش
( 1 ) في « ج ، ي » ، و « ط » نسخة بدل : افراثيم ، وفي المصدر : مزايم . ( 2 ) البثنة أو البثنية : قرية بين دمشق وأذرعات كان أيوب ( عليه السلام ) منها . « معجم البلدان 1 : 338 » . ( 3 ) في المصدر : أرضه . ( 4 ) الأتان : الحمارة . « الصحاح - اتن - 5 : 2067 » .