تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 855

مساهمون:

ص٨٥٥
جمعا ، للموت تولدون ، وإلى القبور تنقلون ، وعلى التراب تتوسدون « 1 » ، وإلى الدود تسلمون ، وإلى الدود تسلمون ، وإلى الحساب تبعثون . يا ذوي الحيل والآراء ، والفقه والأنباء ، اذكروا مصارع الآباء ، فكأنكم بالنفوس قد سلبت ، وبالأبدان قد عريت ، وبالمواريث قد قسمت ، فتصير - يا ذا الدلال ، والهيبة والجمال - إلى منزلة شعثاء ، ومحلة غبراء ، فتنوم على خدك في لحدك ، في منزل قل زواره ، ومل عماله ، حتى يشق عن القبور ، وتبعث إلى النشور ، فإن ختم لك بالسعادة صرت إلى حبور ، وأنت ملك مطاع ، وآمن لا يراع ، يطوف عليكم ولدان كأنهم الجمان ، بكأس من معين ، بيضاء لذة للشاربين . أهل الجنة فيها يتنعمون ، وأهل النار فيها يعذبون ، هؤلاء في السندس والحرير يتبخترون « 2 » ، وهؤلاء في الجحيم والسعير يتقلبون ، هؤلاء تحشى جماجمهم بمسك الجنان وهؤلاء يضربون بمقامع النيران ، هؤلاء يعانقون الحور في الحجال ، وهؤلاء يطوقون أطواقا في النار بالأغلال ، فله « 3 » ، فزع قد أعيى الأطباء ، وبه داء لا يقبل الدواء . يا من يسلم إلى الدود ، ويهدى إليه ، اعتبر بما تسمع وترى ، وقل لعينك تجفو لذة الكرى ، وتفيض من الدموع بعد الدموع تترى ، بيتك القبر بيت الأهوال والبلى ، وغايتك الموت يا قليل الحياء . اسمع - يا ذا الغفلة والتصريف - من ذوي « 4 » الوعظ والتعريف ، جعل يوم الحشر يوم العرض والسؤال ، والحباء « 5 » والنكال ، يوم تقلب إليه « 6 » أعمال الأنام ، وتحصى فيه جميع الآثام ، يوم تذوب من النفوس أحداق عيونها ، وتضع الحوامل ما في بطونها ، ويفرق بين كل نفس وحبيبها ، ويحار في تلك الأهوال عقل لبيبها ، إذ تنكرت الأرض بعد حسن عمارتها ، وتبدلت بالخلق بعد أنيق زهرتها ، أخرجت من معادن الغيب أثقالها ، ونفضت إلى الله أحمالها . يوم لا ينفع الجد ، إذا « 7 » عاينوا الهول الشديد فاستكانوا ، وعرف المجرمون بسيماهم فاستبانوا ، فانشقت القبور بعد طول انطباقها ، واستسلمت النفوس إلى الله بأسبابها ، كشف عن الآخرة غطاؤها ، وظهر للخلق أبناؤها ، فدكت الأرض دكا دكا ، ومدت لأمر يراد بها مدا مدا ، واشتد المثارون إلى الله شدا شدا ، وتزاحفت الخلائق إلى المحشر زحفا زحفا ، ورد المجرمون على الأعقاب ردا ردا ، وجد الأمر - ويحك ، يا إنسان ! - جدا جدا ، وقربوا للحساب فردا فردا ، وجاء ربك والملك صفا صفا ، يسألهم عما عملوا حرفا حرفا ، فجيء بهم عراة الأبدان ، خشعا
هامش
( 1 ) في المصدر : تنوّمون . ( 2 ) في « ج » : يتحبرون ، وفي « ط » : يتجبرون . ( 3 ) في المصدر : في قلبه . ( 4 ) في المصدر : ذي . ( 5 ) حبوت الرّجل حباء : أعطيته الشيء بغير عوض . « مجمع البحرين - حبا - 1 : 94 » . ( 6 ) في « ط » : فيه . ( 7 ) في المصدر : الحذر إذ .