تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 790

مساهمون:

ص٧٩٠
أبي رملا ووضع رأسه عليه ، ورأيت عينيه قد انقلبتا ، فبكيت ، وقلت له : يا أبت ، كيف أصنع بك وأنا وحيدة ؟ فقال : يا بنية ، لا تخافي فإني إذا مت جاءك من أهل العراق من يكفيك أمري ، فإنه أخبرني حبيبي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في غزاة تبوك ، فقال : « يا أبا ذر ، تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك أقوام من أهل العراق ، يتولون غسلك وتجهيزك ودفنك » . فإذا أنا مت فمدي الكساء على وجهي ، ثم اقعدي على طريق العراق ، فإذا أقبل ركب فقومي إليهم ، وقولي : هذا أبو ذر ، صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد توفي . قال : فدخل عليه قوم من أهل الربذة ، فقالوا : يا أبا ذر ، ما تشتكي ؟ قال : ذنوبي ؟ قالوا : فما تشتهي ؟ قال : رحمة ربي . قالوا : فهل لك بطبيب ؟ قال : الطبيب أمرضني . قالت ابنته : فلما عاين الموت سمعته يقول : مرحبا بحبيب أتى على فاقة ، لا أفلح من ندم ، اللهم خنقني خناقك ، فو حقك إنك لتعلم أني أحب لقاءك . قالت ابنته : فلما مات مددت الكساء على وجهه ، ثم قعدت على طريق العراق ، فجاء نفر ، فقلت لهم : يا معشر المسلمين ، هذا أبو ذر صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قد توفي . فنزلوا ومشوا وهم يبكون فجاؤوا فغسلوه وكفنوه ودفنوه ، وكان فيهم الأشتر . فروي أنه قال : دفنته في حلة كانت معي قيمتها أربعة آلاف درهم . قالت ابنته : فكنت أصلي بصلاته ، وأصوم بصيامه ، فبينا أنا ذات ليلة نائمة عند قبره إذ سمعته يتهجد بالقرآن في نومي ، كما كان يتهجد به في حياته . فقلت : يا أبت ، ماذا فعل بك ربك ؟ فقال : يا بنية ، قدمت على رب كريم ، رضي عني ورضيت عنه ، وأكرمني وحباني ، فاعملوا ولا تغتروا « 1 » وكان مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بتبوك رجل يقال له : المضرب ، من كثرة ضرباته التي أصابته ببدر واحد ، فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « عد لي أهل العسكر » فعددهم ، فقال : إنهم خمسة وعشرون ألف رجل سوى العبيد والتباع . فقال : « عد المؤمنين » . فعددهم فقال : هم خمسة وعشرون رجلا . وقد كان تخلف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوم من المنافقين ، وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق ، منهم : كعب بن مالك الشاعر ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي « 2 » . فلما تاب الله عليهم ، قال كعب : ما كنت قط أقوى مني في ذلك الوقت الذي خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى تبوك ، وما اجتمعت لي راحلتان قط إلا في ذلك اليوم ، وكنت أقول : أخرج غدا ، أخرج بعد غد ، فإني قوي ، وتوانيت وبقيت بعد خروج النبي ( صلى الله عليه وآله ) أياما ، أدخل السوق فلا أقضي حاجة ، فلقيت هلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، وقد كانا تخلفا أيضا ، فتوافقنا أن نبكر إلى السوق ، ولم نقض حاجة ، فما زلنا نقول : نخرج غدا وبعد غد . حتى بلغنا إقبال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فندمنا .
هامش
( 1 ) في المصدر : فاعملي فلا تغتري . ( 2 ) في « س » و « ط » : الرافعي ، تصحيف صوابه ما في المتن ، نسبة إلى بني واقف ، بطن من الأوّس ، انظر أسد الغابة 5 : 66 وأنساب السمعاني 5 : 567 .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 790 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة