تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 789

مساهمون:

ص٧٨٩
الله ( صلى الله عليه وآله ) ، منهم : أبو خيثمة وكان قويا ، وكانت له زوجتان وعريشان « 1 » ، وكانت زوجتاه قد رشتا عريشتيه ، وبردتا له الماء ، وهيأتا له طعاما ، فأشرف على عريشته ، فلما نظر إليهما ، قال : لا والله ، ما هذا بإنصاف ، رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قد خرج في الضح « 2 » والريح ، وقد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله ، وأبو خيثمة قوي قاعد في عريشته وامرأتين حسناوين ، لا والله ، ما هذا بإنصاف . ثم أخذ ناقته فشد عليها رحله ولحق برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فنظر الناس إلى راكب على الطريق ، فأخبروا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « كن أبا خيثمة » فأقبل وأخبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) بما كان منه ، فجزاه خيرا ودعا له . وكان أبو ذر ( رحمه الله ) تخلف عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثلاثة أيام ، وذلك أن جمله كان أعجف « 3 » ، فلحق بعد ثلاثة أيام به ، ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره ، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « كن أبا ذر » فقالوا : هو أبو ذر . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أدركوه بالماء فإنه عطشان » فأدركوه بالماء ، ووافى أبو ذر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومعه إداوة « 4 » فيها ماء ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « يا أبا ذر ، معك ماء وعطشت ! » قال : نعم - يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي - انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته ، فإذا هو عذب بارد ، فقلت : لا أشربه حتى يشرب حبيبي رسول الله . فقال رسول الله : « يا أبا ذر - رحمك الله - تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك قوم من أهل العراق ، يتولون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك » . فلما سير به عثمان إلى الربذة ، فمات بها ابنه ذر ، وقف على قبره ، فقال : رحمك الله - يا ذر - لقد كنت كريم الخلق ، بارا بالوالدين ، وما علي في موتك من غضاضة « 5 » ، وما بي إلى غير الله من حاجة ، وقد شغلني الاهتمام بك عن الاغتمام لك ، ولولا هول المطلع لأحببت أن أكون مكانك ، فليت شعري ما قالوا لك ، وما قلت لهم ؟ ثم رفع يده فقال : اللهم إنك فرضت لك عليه حقوقا ، وفرضت لي عليه حقوقا ، فإني قد وهبت له ما فرضت لي عليه من حقوقي ، فهب له ما فرضت عليه من حقوقك ، فإنك أولى بالحق وأكرم مني . وكانت لأبي ذر غنيمات يعيش هو وعياله منها ، فأصابها داء ، يقال له : النقاز « 6 » ، فماتت كلها ، فأصاب أبا ذر وابنته الجوع فماتت أهله ، فقالت ابنته : أصابنا الجوع ، وبقينا ثلاثة أيام لم نأكل شيئا . فقال : يا بنية ، قومي بنا إلى الرمل نطلب القت - وهو نبت له حب - فصرنا إلى الرمل ، فلم نجد شيئا ، فجمع
هامش
( 1 ) العريش : ما يستظلّ به . « الصحاح - عرش - 3 : 1010 » . ( 2 ) الضحّ : الشمس . « الصحاح - ضحح - 1 : 385 » . ( 3 ) الأعجف : المهزول . « الصحاح - عجف - 4 : 1399 » . ( 4 ) الإداوة : المطهرة . « الصحاح - أدا - 6 : 2266 » . ( 5 ) الغضاضة : الذلَّة والمنقصة . « القاموس المحيط - غاض - 2 : 351 » . ( 6 ) النقاز : داء يأخذ الغنم فتنقز منه حتّى تموت . « الصحاح - نقز - 3 : 900 » .
البرهان في تفسير القرآن — صفحة 789 | السيد هاشم البحراني / قسم الدراسات الاسلامية / مؤسسة البعثة