تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
فقالوا : إذا كان غدا باهلناك ، فقال القوم بعضهم لبعض : حتى ننظر بما يباهلنا غدا بكثرة أتباعه من أوباش الناس ، أم بالقلة « 1 » من أهل الصفوة والطهارة ، فإنهم وشيج « 2 » الأنبياء ، وموضع نهلهم . فلما كان من الغد غدا النبي ( صلى الله عليه وآله ) بيمينه علي ، وبيساره الحسن والحسين ، ومن ورائهم فاطمة ( صلى الله عليهم ) ، عليهم النمار النجرانية « 3 » ، وعلى كتف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كساء قطواني « رقيق خشن ليس بكثيف ولا لين ، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما ، ونشر الكساء عليهما ، وأدخلهم تحت الكساء ، وأدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه النبع ، ورفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة ، وأشرف « 5 » الناس ينظرون واصفر لون السيد والعاقب وزلزلا « 6 » حتى كادا أن تطيش عقولهما . فقال أحدهما لصاحبه : أنباهله ؟ قال : أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم أو بقي كبيرهم ؟ ولكن أره أنك غير مكترث ، وأعطه من المال والسلاح ما أراد ، فإن الرجل محارب ، وقل له : أبهؤلاء تباهلنا ؟ لئلا يرى أنه قد تقدمت معرفتنا بفضله وفضل أهل بيته . فلما رفع النبي ( صلى الله عليه وآله ) يده إلى السماء للمباهلة ، قال أحدهما لصاحبه : وأي رهبانية ؟ دارك الرجل ، فإنه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل ولا مال . فقالا : يا أبا القاسم ، أفبهؤلاء تباهلنا ؟ قال : « نعم ، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى الله عز وجل وجيهة ، وأقربهم إليه وسيلة » . قال : فبصبصا - يعني ارتعدا وكرا - وقالا له : يا أبا القاسم ، نعطيك ألف سيف ، وألف درع ، وألف حجفة « 7 » وألف دينار كل عام ، على أن الدرع والسيف والحجفة عندك إعارة حتى يأتي من ورائنا من قومنا فنعلمهم بالذي رأينا وشاهدنا ، فيكون الأمر على ملأ منهم ، فإما الإسلام ، وإما الجزية ، وإما المقاطعة في كل عام . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « قد قبلت ذلك منكما ، أما والذي بعثني بالكرامة ، لو باهلتموني بمن تحت الكساء لأضرم الله عز وجل عليكم الوادي نارا تأجج تأججا ، حتى يساقها إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فأحرقتهم تأججا » . فهبط عليه جبرئيل الروح الأمين ( عليه السلام ) ، فقال : يا محمد ، إن الله يقرئك السلام ، ويقول لك : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السماوات وأهل الأرض لتساقطت السماء كسفا متهافتة ،
هامش
( 1 ) في المصدر : بأهله . ( 2 ) الوشيجة : عرق الشجرة . واستعير هنا لاشتباك القرابة والصّلة . ( 3 ) النّمار : جمع نمرة : كساء مخطط . « مجمع البحرين - نمر - 3 : 503 » . ( 4 ) في « ط » : قرقف ، ولعلَّه تصحيف قرطف : القطيفة ، والقطواني : نوع من الأكسية منسوبة إلى موضع في الكوفة ، والقطوانيّة : عباءة بيضاء قصيرة الخمل . « القاموس المحيط - قطا - 4 : 381 » ، « لسان العرب - قطا - 15 : 191 » . ( 5 ) في المصدر : واشرأبّ : أي رفع رأسه لينظر إليه . ( 6 ) في « ط » والمصدر : وكرّا . ( 7 ) الحجفة : الترس ، وذلك إن كانت من جلود وليس فيها خشب ، وتسمى درقة أيضا . « مجمع البحرين - حجف - 5 : 35 » .