في باطنه بخلاف ذلك ، فقال : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً « 1 » فهذا تفسير الرخصة ، ومعنى
قول الصادق ( عليه السلام ) : « إن الله تبارك وتعالى يحب أو يؤخذ برخصه ، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه » .
وأما ما لفظه خبر ومعناه حكاية ، فقوله : ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً « 2 » وهذا حكاية عنهم ، والدليل على أنه حكاية ، ما رد الله عليهم في قوله : قُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَه غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ . « 3 »
وقوله يحكي قول قريش : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى « 4 » فهو على لفظ الخبر ومعناه حكاية ، ومثله كثير نذكره في مواضعه .
وأما ما هو مخاطبة للنبي ( عليه وعلى آله الصلاة والسلام ) والمعنى لأمته ، فقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ « 5 » فالمخاطبة للنبي ( عليه وعلى آله الصلاة والسلام ) والمعنى لأمته ، وقوله تعالى : ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً « 6 » ومثله كثير مما خاطب به نبيه ( صلى الله عليه وآله ) والمعنى لأمته ، وهو
قول الصادق ( عليه السلام ) : « إن الله بعث نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بإياك أعني ، واسمعي يا جارة » .
وأما ما هو مخاطبة لقوم ومعناه لقوم آخرين ، فقوله : وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ - أنتم ، يا معشر أمة محمد - فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً « 7 » فالمخاطبة لبني إسرائيل ، والمعنى لأمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) .
وأما الرد على الزنادقة ، فقوله : ومَنْ نُعَمِّرْه نُنَكِّسْه فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ « 8 » وذلك أن الزنادقة زعمت أن الإنسان إنما يتولد بدوران الفلك ، فإذا وقعت النطفة في الرحم تلقتها الأشكال والغذاء ، ومر عليها الليل والنهار ، فيتربى الإنسان ويكبر لذلك ، فقال الله تعالى ردا عليهم : ومَنْ نُعَمِّرْه نُنَكِّسْه فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ يعني من يكبر ويعمر يرجع إلى حد الطفولية ، يأخذ في النقصان والنكسة .
فلو كان هذا - كما زعموا - لوجب أن يزيد الإنسان ما دامت الأشكال قائمة ، والليل والنهار يدوران عليه ، فلما بطل هذا ، وكان من تدبير الله عز وجل ، أخذ في النقصان عند منتهى عمره .
وأما الرد على الثنوية ، فقوله : مَا اتَّخَذَ اللَّه مِنْ وَلَدٍ وما كانَ مَعَه مِنْ إِله إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِما خَلَقَ قال :
هامش
( 1 ) آل عمران 3 : 28 .
( 2 ) الكهف 18 : 25 .
( 3 ) الكهف 18 : 26 .
( 4 ) الزّمر 39 : 3 .
( 5 ) الطَّلاق 65 : 1 .
( 6 ) الإسراء 17 : 39 .
( 7 ) الإسراء 17 : 4 .
( 8 ) يس 36 : 68 .