تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلدان — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
[ 128 ب ] جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعاً لِلْمُقْوِينَ 56 : 73 . وقف عند هذا القول . فإن كنت مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم النقمة آخرا ، ثم قوّم مقادير النعم وتصاريفها . وقد علمنا أن الله عزّ وجلّ قد عذّب الأمم بالغرق والرياح والحاصب والصواعق والخسف وغير ذلك ، ولم يبعث عليهم نارا ، كما بعث عليهم ماء وريحا وأحجارا . وجعل النار من عقاب الآخرة . ونهى أن يحرق بها شيء من الحيوان والهوام [ وقال : لا تعذّبوا بعذاب الله ] . فقد عظَّمها كما ترى . وقال عز وجل يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ من نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ 55 : 35 - 36 . فجعل الشواظ والنحاس وهما النار والدخان من الآية . فلذلك قال على نسق الآية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ 55 : 13 . ونار أخرى وهي نار إبراهيم عليه السلام التي ألقي فيها فجعلها الله عزّ وجلّ عليه بردا وسلاما . ونار أخرى وهي النار التي كانوا [ يستمطرون بها ] في الجاهلية فإنهم كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات واحتاجوا إلى الاستمطار ، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثم عقدوا في أذنابها السلع والعشر المشدود في أذناب البقر [ وأشعلوا فيها النيران ] وضجّوا بالبكاء والدعاء والتضرع . فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا لهم . ولذلك قال الشاعر ( 1 ) :
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلَّعة ذريعة لك بين الله والمطر
ونار أخرى كانوا يوقدونها عند التحالف والتعاقد ، فيذكرون منافعها ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذي ينقض العهد ويخيس العقد . وربما دنوا من النار حتى تكاد تحرقهم . ويهوّلون بذلك على من يخافون غدره . وقال الكميت :
هامش
( 1 ) في الحيوان 4 : 468 قال إنه للورل الطائي .
البلدان — صفحة 508 | أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني ) / يوسف الهادي