شرح
النحو الذي تقدم نقله عنه في الآية الأولى ( 1 ) .
أما ما أفيد من الجواب على اللحاظ الأول ، فهو - بعد تسليم أن
كل المياه نازلة من السماء - إنما يتم لو فرض أن الآية الكريمة فيها إطلاق
يدل على مطهرية كل ماء نازل من السماء ، من قبيل أن يقال ( إن الماء
النازل من السماء مطهر ) ، فحينئذ إذا أمكننا أن نثبت أن كل المياه نازلة
من السماء أثبتنا بذلك إطلاق الدليل لسائر أقسام المياه ، ولكن الكلام في
أصل وجود إطلاق في الآية الكريمة يدل على أن الماء النازل من السماء بتمام
أقسامه مطهر ، فإن الآية لم ترد بلسان الاخبار عن مطهرية الماء النازل من السماء
لكي ينعقد لها اطلاق في كل ماء نازل ، بل بلسان الاخبار عن أن الله
تعالى ينزل من السماء الماء المطهر . وكونه ينزل من السماء الماء المطهر لا يعني أن كل
ماء ينزل من السماء مطهر ، فهناك فرق مثلا بين أن يقال ( لكتب لكم ما فيه
شقاء ) أو يقال ( ما أكتبه لكم فيه شفاء ) ، فإن الأول لا يدل بالاطلاق
على أن كل ما يكتبه القائل فيه شفاء ، بخلاف الثاني فإنه يدل على ذلك
بالاطلاق . وتركيب الآية الكريمة من قبيل الأول لا من قبيل الثاني ، فغاية
ما تدل عليه أن الله سبحانه ينزل من السماء الماء المطهر ، لا أن كل ماء ينزله
من السماء فهو ماء مطهر .
هذا كله مضافا إلى أن السياق القرآني للآية الكريمة واضح في أنه
بصدد استعراض الأحداث الجزئية التفصيلية التي وقعت للمسلمين في غزوة
بدر وما تفضل به الله تعالى على المسلمين ، قال تعالى ( إذ تستغيثون ربكم
فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين . . . إذ يغشيكم النعاس
أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان ) .
وهذا السياق الاستعراضي للاحداث واللسان الامتناني بنفسه قرينة على
أن المراد بقوله ( وينزل عليكم ) التفضل بالمطر ، وليس المراد منه التنزيل
هامش
( 1 ) راجع ص 21 ، 22 ، 23 .