شرح
وهذه النكتة تنطبق على محل الكلام . فإن قوله " خلق الله الماء طهورا
لا ينجسه شئ " تصدى إلى نفي التنجيس عن الماء ، ويتوفر في المورد كلا
الأمرين ، فإن الماء لا يحتمل عرفا اختصاصه بالتنجس - أي كونه أقل
عصمة من سائر الأشياء - وإنما المحتمل ثبوت التنجيس للطبيعي بنحو يشمله .
وحيث أن كبرى تنجس الأشياء بالملاقاة للنجس ارتكازية ، فينصرف
النفي المذكور إلى كونه لسانا استثنائيا وناظرا إلى الكبرى المركوزة وموضحا
خروج الماء عن تحتها .
وعليه ، فيكون المتحصل عرفا من الكلام المذكور : أن ما ينجس
غير الماء لا ينجس الماء إلا ما غيره . ومن الواضح أن ما ينجس غير الماء - بقطع
النظر عن التغيير - هو ما يلاقيه من النجاسات لا ما يجاوره . فالمغير للون
أو الطعم أو الريح مستثنى من الملاقي ، فلا يشمل المغير بالمجاورة .
" الثانية " - التمسك برواية ابن بزيع " ماء البئر واسع لا يفسده شئ
إلا أن بتغير " ( 1 ) بدعوى التمسك باطلاق المستثنى ، كما في الحديث السابق
بعد فرض عدم أخذ الملاقاة قيدا في مورد الرواية .
والتحقيق أن قوله " إلا أن يتغير " تارة يراد به محصل قولنا إلا
التغير ، بتأويل أن والفعل بالمصدر ، فيكون المستثنى نفس التغير . وأخرى
يراد به محصل قولنا إلا شيئا حالة التغير ، فيكون التغير حالة للمستثنى .
ولا إشكال في أن الثاني هو الظاهر من الرواية ، إما بلحاظ ما أشرنا إليه
من ظهور النفي في كونه ناظرا إلى الكبرى المركوزة وبيانا لعدم تنجس
الماء بما يكون منجسا لغيره ، ومن المعلوم أن ما ينجس غير الماء إنما هو
مجرد الملاقاة لا التغير . وإما بلحاظ أن كلمة " شئ " اسم صريح " وأن
يتغير " اسم مؤول ، واستثناء الاسم المؤول من الاسم الصريح لا يخلو من
هامش
( 1 ) ص 193 .