۲۰۰ الإمام محمد الباقر ، السيرة الكاملة
فأدلى إليهم جرابين في كل جراب خمسة آلاف دينار ، فدعا عمر بالناقد والوزان ،
فانتقدها ووزنها ودفعها إلى جارية له وأمر أن يعطى الرأس . فأخذ الراهب الرأس
فغسله ونظفه ، وحشاه بمسك وكافور كان عنده ، ثم جعله في حريرة ، ووضعه في
حجره ، ولم يزل ينوح ويبكي حتى نادوه وطلبوا منه الرأس ، فقال : يا رأس والله ما
أملك إلا نفسي ، فإذا كان غداً فاشهد لي عند جدك محمد أني أشهد أن لا إله إلا الله ،
وأن محمداً الله عبده ورسوله ، أسلمت على يديك وأنا مولاك .
ثم قال لهم : إني أحتاج أن أكلم رئيسكم بكلمة وأعطيه الرأس . فدنا عمر بن سعد
منه فقال : سألتك بالله ، وبحق محمد الله ألا تعود إلى ما كنت تفعله بهذا الرأس ، ولا
تخرج هذا الرأس من هذا الصندوق . فقال له : أفعل .
•
فأعطاهم الرأس ونزل من الدير ، فلحق ببعض الجبال يعبد الله . ومضى عمر بن
سعد ، ففعل بالرأس مثل ما كان يفعل في الأول . فلما دنا من دمشق ، قال لأصحابه :
إنزلوا ، وطلب من الجارية الجرابين ، فاحضرا بين يديه ، فنظر إلى خاتمه ثم أمر أن
يفتحا ، فإذا الدنانير قد تحولت خزفية ، فنظروا في سكتها فإذا على جانب مكتوب :
6
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالُونَ . وعلى الوجه الآخر : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ
يَنْقَلِبُونَ . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، خسرت الدنيا والآخرة . ثم قال لغلمانه :
6
إطرحوها في النهر فطرحت فدخل دمشق من الغد ، وأدخل الرأس إلى يزيد عليه
اللعنة ، فابتدر قاتل الحسين إلى يزيد ، فقال :
إملأ ركابي فضة أو ذهبا
إني قتلت الملك المحجبا
صربته بالسيف حتى انقلبا
قتلت خير الناس امـا وأبــا
